لو كان من وصفٍ لصورة الاتحاد الأوروبي، كما تظهر اليوم حيال طائفة من مشكلات العالم العربي، فقد لا نجد ما يُعطى لها إلاّ صفة الحَيْرة. وحين نرى إلى هذه الصورة في معطياتها الشّرق أوسطية، سوف يتضح لنا حجم التَّحيُّر، لناحية المواقف الّتي ينبغي أن تُتَّخذ إزاء جملة من القضايا المَصيريّة. ففي سياسات الاتحاد الأوروبي المُتَعلَّقة بالاحتِدام الفلسطيني/ الإسرائيلي، أو بقضايا العراق وأفغانستان، ناهيك عن الأعاصير السياسية والأمنيّة الّتي حدثت مؤخراً في عدد من الجغرافيات العربية، ما يشي بهلامية لافتة، وهي سياسات هُلاميّة تكاد أن تبلغ حدود الغياب عن أيّة توجهات ذات طبيعة استراتيجيّة.

نعني بهذا، أنّ الاتحاد الأوروبي، على الرّغم ممّا تشكّله دولُه مجتمعة من قدرات، قد بدا عاجزاً عن أخذ قراراتٍ حاسمة خارج المراسيم الإجماليّة للسياسات الأميركية في المنطقة..

قد يُفسّر مثل هذه الوضعيّة على أنّه ظاهرة بديهيّة، إذ غالباً ما تُختَزَل أسباب نشوء هذه الظاهرة في إطار جدليّة الهيمنة والتّبعيّة. لكنّ القضيّة في الواقع، لا تلبث أن تتحوّل إلى إشكاليّة حقيقيّة، بعد أن أخذ العالم يشُقُّ مرحلة انتقاليّة فعليّة من التّوازنات وتعدُّديّة الأقطاب.

في مقاربة للمفكَّر الفرنسي سيرج لاتوش، كنّا قرأناها قبل سنوات، سوف نستشعر المدى الذي قطعه في محاسبة الذّات. كما تظهر لنا فيها درجة المرارة النّقدية التي مورست داخل العقل الثّقافي الأوروبي، لجهة العلاقة مع أميركا.

حسب لاتوش؛ «.. إن أفضل أنواع الهيمنة، هو ذلك النّوع الذي يبقى فيه الخاضع للهيمنة غافلاً عما هو فيه». هذه الكلمات، ربّما اختصرت الرُّؤية الأعمق التي يحتج بها المثقّفون الأوروبيون، وهم يرسمون بعبارات فلسفية طبائع الهيمنة الأميركية على أوطانهم. وكما هو بَيّنٌ، فإنّ أكثر الأوروبيين، والفرنسيين منهم على الأخص، باتوا يفقهون هذه الأطروحة، إلاّ أنهم لا يصنعون عملاً يفتح على إجراءات استراتيجيّة جديّة لإحداث تغيير في الصورة.

والحال هكذا، لم تتبدل مقاصد السيطرة الأميركيّة على أوروبا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، غير أنّ تقنياتها هي التي تبدلت، بحيث سلكت طوراً جديداً في إطار ما سُمّيَ «الإمبريالية النّاعمة». على أن هذه التقنيات ستصبح استراتيجية مكتملة القوام، ولو ظهرت على ذلك النحو من التّحوير الإيديولوجي الذي مارسته ثقافات المحافظين الجُدُد على مدى عقدين ويزيد. أما معاينو صلة القربى بين أوروبا وأميركا، فقد ظهر لهم أن منطق السيطرة جرى ويجري على نحو يدفع المسيطَر عليه في اتّجاه الحد الأعلى من القنوط والتّماهي، ليحصل جرّاء ذلك، ما يشبه العزوف المريع عن التّساؤل والاحتجاج والممانعة..

النقد الأوروبي لأميركا لم يفارق حالة الكسل التي هو فيها، بل أكثر من ذلك، فإنّه ظل حبيس كَسلِهِ، حتى وهو مثقل بإحساس غريب بالظلم.

ذلك ما ينظر إليه الكاتب الفرنسي إيناسيو رامونيه، باعتباره ضرباً من الغرابة. ثمّ يمضي ليرى في شيء من الاستِغراب، أن المقاومة الأضعف التي يلقاها المشروع الإمبريالي بأطواره القديمة والجديدة؛ هي في أوروبا الغربية. وأمّا السّبب في هذا، فيرجعه رامونيه إلى علَتين:

الأولى سياسية، وقوامها أن الولايات المتحدة نشأت نتيجة أول ثورة ديمقراطية، هي ثورة العام ‬1776 التي سبقت الثورة الفرنسية بثلاثة عشر عاماً.

والثانية تاريخية، ومؤداها أنه باستثناء إنكلترا في القرن الثامن عشر، وإسبانيا في أواخر القرن التاسع عشر، لم يحدث أن قامت دولة أوروبية في مواجهة ثنائية مع أميركا. بل على العكس، فإن دولة الحرية هذه استقبلت بالترحاب ملايين اللاجئين والمنفيين الأوروبيين، وفي الحربين العالميتين (‬1914-‬1918 و‬1939-‬1945) تصرفت أميركا بوصفها صديقة القارة العجوز، وذلك من خلال مشاريع إعادة بناء ما تهدّم في الحرب، وكذلك عبر مشاركتها أوروبا ما بعد الحرب في مواجهة الظاهرة الفاشية.

مع ذلك، فإنّ شرائح واسعة من فلاسفة ومُفكّري أوروبا، لم يُغادروا مشاعر الشّك تجاه المركزيّة الأميركيّة ومقاصدها، وهو ما عبَّر عنه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، حين قرّر أن ديمقراطية أميركا ما عادت سوى ذريعة لبسط الأغلال.

على هذا النحو البليغ، ربما أمكن لنا أن نلاحظ ما تطويه فضاءات العقل النقدي الأوروبي، لمسارات الهيمنة الأميركية.

وعلى هذا النّحو، أيضا، سنسمع في عواصم الاتحاد الأوروبي اليوم، الكثير ممن يرى أنّ لأوروبا أن تفعل شيئاً.. أقلُّه، وقد عرفت سر «الإمبريالية الناعمة»، أن تفعل هذا الشيء. أي أن تعود لتستأنف وحدتها، على أساس الممانعة والاستقرار الاستراتيجي في الثّقافة والسياسة والاقتصاد. بل على نصاب لا يعود فيه الأوروبيون حيارى بين حديّن مستحيلين: إما الإمبراطورية المفتوحة على الاقتدار والتوازن الخلاّق، وإما البقاء على استكانتها وطواعيتها للمركزية الأميركية.

أمّا الكلام الأخير لهؤلاء، فهو عدم الاكتفاء بالسّخط، ولسان حالهم يقول: لا بأس من قسطٍ قليلٍ من المخاطرة.

أوروبا الآن في الاختبار الصّعب. وأمّا أبناؤها من الذين يدعون إلى خوضِ مغامرة الاستقلال عن الإرادة الأميركية، فيُخشى أنّهم تأخّروا قليلا في تلك الدّعوة. لكنّ الوقت لم يفُتْ، وحركة الزّمن العالمي هي اليوم في حالة انتقاليّة مفتوحة على الاحتمالات، وهنا قد تتَّسِع مجالات الرَّهان على رغبات الاستقلال الأوروبي، في إطار العالميّة متعدَّدة الأقطاب.

غير أنّ السؤال الذي يعنينا ضمن الدّائرة العربية المحمومة، هو التالي: ما المدى الذي ستمضي فيه أوروبا وهي حائرة «في أمرنا»؟