تشهد هذه الأيام العصر الذهبي للمحللين السياسيين والعسكريين والخبراء الاستراتيجيين، الذين تتنافس الفضائيات على استضافتهم، حيث لا تخلو نشرة أخبار أو فترة إخبارية أو برنامج حواري، من محلل سياسي أو عسكري أو خبير استراتيجي، تختلف وجوههم، وتكاد تتطابق أقوالهم. لكن ما يجري على الساحة من سباق على التمسك بالكراسي حتى النفس الأخير، مهما كلف ذلك من دماء ودمار، يجعلنا أكثر حاجة إلى محللين نفسيين منا إلى محللين سياسيين وعسكريين وخبراء استراتيجيين.
أمامنا ثلاث حالات على الأقل من هذا النوع؛ اثنتان منهما عربيتان، وواحدة إفريقية، استعصت جميعها على الحل، فلعلها لا تستعصي على التحليل النفسي، كي يحسم لنا المحللون النفسيون هذه القضية، ويفكوا لنا ألغازها التي استعصت على زملائهم السياسيين والعسكريين والخبراء الاستراتيجيين، علنا نخرج منها بدروس وعبر تستفيد منها الأجيال القادمة، لئلا تغرق هي الأخرى في المستنقع الذي غرقنا فيه.
ولا تخوض في الدماء التي نخوض فيها، وكي لا تتعرض أوطانها للهدم والتخريب، ولا تهدر مقدراتها، ناهيك عن هدر القيم والأخلاق التي أصبحت تداس بالأقدام من أجل مصالح شخصية آنية، ونظرات ضيقة، لا ترى أبعد من البقاء على الكراسي أطول فترة ممكنة، حتى لو عم الخراب الأوطان، كأن المتشبثين بتلك الكراسي يقولون لنا: نحن ومن بعدنا الطوفان.
تمثل الحالة الليبية، حتى الآن، أكثر الحالات العربية دموية وإصرارا على البقاء في السلطة حتى آخر ليبي من الطرفين المتصارعين. وبينما يشتبك الثوار والكتائب في معارك طاحنة تحولت إلى كر وفر وحروب شوارع، نرى قائد الثورة وأبناءه وأسرته متحصنين لا يمسهم سوء، في انتظار جلاء غبار المعركة والبحث عن مهرب آمن لهم، أو العودة إلى تصدر المنابر وإلقاء الخطب الحماسية.
وإعلان الانتصار القادم على أشلاء قتلى الكتائب والثوار على حد سواء، وعلى ما تبقى من حجارة المدن التي تهدمت منازلها، واختفت معالمها، بفعل القصف المتواصل والمعارك الطاحنة التي هجّرت ساكنيها، وحولتهم إما إلى محتمين بالملاجئ، خوفا من القتل الذي يحيق بهم من كل جانب، أو لاجئين في المدن الأكثر أمنا، هربا من الموت الذي يطاردهم.
ولا يقلّ الوضع سوءاً في اليمن الذي كان سعيدا، فبين الشد والجذب بين المعتصمين في ساحات التحرير والتغيير، يبقى الحال على ما هو عليه، ويبقى الرئيس متربعا على كرسي الرئاسة، ويذهب مئات المواطنين ضحايا الاحتجاجات والعنف الذي تمارسه السلطة تارة، ويمارسه من يسميهم الإخوة اليمنيون «بلاطجة» تارة أخرى. ويبقى الوطن هو الخاسر الأكبر الذي عليه أن يتحمل هذا الشد والجذب، بين إرادة التغيير والإصرار على التمسك بالكرسي الذي يبدو أن له سحرا لا يعرفه إلا أولئك الذين جربوا الجلوس عليه، ويخشون تبعات التخلي عنه.
هذا هو الحال في المحيط العربي حتى الآن، بعد أن غادر كرسييهما حاكما تونس ومصر بقدر أقلّ من الخسائر. وثمة حالة ثالثة، لكنها في غرب إفريقيا، حيث يحتدم منذ شهر ديسمبر من العام الماضي صراع دموي على السلطة في ساحل العاج (كوت ديفوار)، بين الرئيس المنتهية ولايته «لوران غباغبو» والرئيس الجديد «الحسن واتارا»، بعد أن حسمت الجولة الثانية من الانتخابات الأمر لصالح «واتارا» الذي فاز بنسبة 54,1 في المئة من الأصوات، أمام «غباغبو» الذي أحرز 45,9 في المئة من الأصوات.
واعتبرت الأسرة الدولية «واتارا» فائزا في الانتخابات، لكن رئيس المجلس الدستوري المعروف بتأييده لــ«غباغبو»، أعلن الرئيس المنتهية ولايته فائزا، ليزداد الاحتقان وتبدأ المواجهة التي بدأت من جانب «واتارا» سلمية، ثم تحولت إلى عسكرية أودت بحياة المئات من مناصري الطرفين، وانتهت بمحاصرة «غباغبو» الذي ما زال يرفض الاستسلام والتخلي عن الكرسي، ويتحصن مع مجموعة من أنصاره في مقر إقامته.
هذه النماذج الحية من التمسك بالكراسي، وبذل الغالي والنفيس من أجل البقاء عليها أطول فترة ممكنة، لا يستطيع أي محلل سياسي أو عسكري ولا خبير استراتيجي أن يقدم لنا تفسيرا لها، لأنها تدخل في صلب العُقد التي تحتاج إلى منهج التحليل النفسي الذي أسسه الطبيب النمساوي «سيغموند فرويد»، والذي يقوم على تحليل العمليات العقلية اللاشعورية، وربط العلاقة بين الشعور واللاشعور، إلى آخر هذا المنهج الذي نعتقد أن أيّاً من محللينا السياسيين والعسكريين وخبرائنا الاستراتيجيين، لا يستطيع أن يقدم لنا تفسيرا له.
في مقابلة أجرتها قناة «الجزيرة» الفضائية مع العقيد معمر القذافي، قبل أن تصبح «الجزيرة» عدوته الأولى التي يهتف المؤيدون له ضدها، ويعيدون تسميتها حسب موقفها منهم وموقفهم منها، قدّم لنا العقيد القذافي تعريفا جديدا للديمقراطية، استنادا إلى تسميتها باللغة الإنجليزية DEMOCRACY (ديمو كراسي) التي قال إن أصلها عربي وتعني (دهماء على الكراسي).
ودعا إلى جعل الناس تحكم نفسها بنفسها، وحث على إقامة المؤتمرات واللجان الشعبية، قائلا إنه لا ديمقراطية بدون مؤتمرات شعبية، وعندما يجلس الدهماء (عامة الناس) على الكراسي، فهذه هي الديمقراطية. أما نظام الحزب ونظام الرئيس ونظام الحكومة، فهذه كلها مهازل، وفق كلام العقيد القذافي الذي يدعونا إلى قراءة «الكتاب الأخضر» لفهم هذه النظرية، دون أن ينسى تذكيرنا بأن الكتاب ممنوع، ولكن يمكننا الحصول عليه عبر الإنترنت، أو عبر «المرئية الليبية» التي تنشر أجزاء منه كل ليلة.
ألم أقل لكم إننا بحاجة إلى محللين نفسيين، أكثر من حاجتنا إلى محللين سياسيين وعسكريين وخبراء استراتيجيين؟