في شهر يونيو من العام الماضي، أعلن وزير العمل الفرنسي «أريك ويرث»، أن الحكومة الفرنسية تريد رفع سن التقاعد من 60 إلى 62 عاما بحلول عام 2018، وهو الإجراء الأبرز ضمن إصلاح تشهده نهاية ولاية الرئيس «نيكولا ساركوزي».
وصرح الوزير خلال مؤتمر صحافي عرض خلاله الإصلاح، أن إنقاذ نظام التقاعد ضرورة أساسية. وقال «إنه لا مفر من العمل لفترة أطول، ولا عجب في ذلك». وأضاف: «كل شركائنا الأوروبيين قاموا بذلك، وليس من الممكن أن نظل خارج التوجه». وكان عجز نظام التقاعد في فرنسا قد زاد ثلاث مرات خلال عامين بسبب الأزمة المالية، بحسب مجلس توجيه التقاعد، وهو هيئة مستقلة. وبلغ هذا العجز 32 مليار يورو عام 2010، ويمكن أن يصل إلى 45 مليارا بحلول عام 2020، إذا لم تتخذ إجراءات.
إجراء لو اتخذته أي دولة عربية، لبادرت الفعاليات الاقتصادية والمجتمعية إلى الإشادة به، وتبارت في إظهار حسناته، وما سيعود به من نفع وفوائد اقتصادية واجتماعية على المجتمع، وهي إشادة ربما نتفق معها، لأن بعض الجهات تحيل موظفيها إلى التقاعد قبل سن الأربعين، كإجراء تعسفي عندما تريد التخلص منهم.
لكن الاتحادات العمالية في فرنسا كان لها رأي آخر، فقد نظمت هذه الاتحادات إضرابات واحتجاجات واسعة النطاق، عطلت معظم المرافق في البلاد، بما فيها المواصلات والرحلات الجوية والخدمات العامة الأخرى، وألغي ما يصل إلى 50 في المئة من رحلات الطيران من مطارات في العاصمة باريس ومدن أخرى.
وقالت هيئة السكك الحديدية إن أكثر من نصف خدمات القطارات تقريبا قد توقفت، وسبّب إضراب عمال مصافي النفط اختلالات في توزيع الوقود وهدد بشل الحركة في البلاد، بينما تعطلت الدراسة وأُغلِق نحو نصف المدارس. وقالت الاتحادات العمالية المنظمة للاحتجاجات، إن عدد المشاركين فيها بلغ أكثر من ثلاثة ملايين، منهم ما يزيد على ثلاثمئة ألف متظاهر في باريس وحدها.
ربما يبدو الحديث عن هذا الموضوع الآن متأخرا، لكن الشاهد فيه أن الجوَّ العامَّ لتظاهرات المحتجين السلمية ساده المرحُ والموسيقى، لولا بعض أحداث الشغب المحدودة التي تسبب فيها بعض الفوضويين عندما قاموا بقذف الزجاجات والحجارة، فألقت الشرطة عليهم القنابل المسيلة للدموع، ولم تستخدم رصاصا حيا ولا ميتا، كما شاهدنا في ميادين التحرير والتغيير العربية.
وما زلنا نشاهد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. والأهم من هذا أنه، وعلى طريقة رؤساء العالم الثالث، رفض الرئيس الفرنسي «نيكولا ساركوزي» الإذعان لمطالب المحتجين بشأن أبرز الإصلاحات في رئاسته، رغم الاحتجاجات الحاشدة والإضرابات التي سببت نقصا خطيرا في الوقود.
وتعطيلا للمواصلات، وأعمال عنف متقطعة، ومضى في مشروعه حتى آخر الشوط، فحصل على موافقة مجلس الشيوخ، واعتمده البرلمان الفرنسي نهائيا بعد أن أقرته الجمعية الوطنية بأغلبية 336 صوتا مقابل 233 صوتا، وأصبح نافذا بعد أن وقعه الرئيس في شهر نوفمبر من العام نفسه، ونُشِر في الجريدة الرسمية.
لا يعنينا بالطبع رفع أو خفض سن التقاعد في القطر الفرنسي، لكن الذي يعنينا هو ما اتخذته الدول العربية وقتها من مواقف اعتبرتها فرنسا تدخلا في الشأن الفرنسي، وردت عليها بعدها بالتدخل المباشر في شؤون العرب الداخلية، مسانِدةً مرة للرؤساء الذين أصبحوا سابقين أو مخلوعين.
كما حدث في تونس عند قيام ثورة الياسمين، ومعادِيةً مرة لهم، كما يحدث الآن في ليبيا، بغض النظر عن صواب هذا الموقف وخطأ ذاك. فما الذي فعله العرب إبان تلك الأحداث التي جرت على الساحة الفرنسية، كي تتخذ فرنسا هذه المواقف الحادة، متقدمة على كثير من الدول الغربية؟
أعلنت الدول العربية تأييدها لحشود المتظاهرين في ميدان «شارل ديغول»، الذي أصبح حاضنا لثورة العمال على قرار الحكومة، وطلبت من الرئيس الفرنسي الاستجابة لمطالب اتحادات العمال الفرنسية التي خرج أعضاؤها في مظاهرات مليونية، معلنين رفضهم لخطة «الإصلاح المجحف ذي المخاطر» التي فرضها «ساركوزي» على الجميع، وفق تعبير «سيسيل ديفلو» إحدى المشاركات في مظاهرات باريس.
وأكدوا وقوفهم إلى جانب الاتحادات العمالية الفرنسية، ودعوا اتحادات العمال في كافة أنحاء العالم إلى التضامن مع عمال فرنسا، وتنظيم مظاهرات مؤيدة لهم أمام السفارات الفرنسية، للضغط على الرئيس الفرنسي حتى يتخلى عن خطته.
وتطرف البعض في مواقفه فدعا الرئيس «ساركوزي» إلى مغادرة قصر «الإيليزيه»، خدمة لشعبه الثائر عليه في شارع «الشانزيليزيه» والميادين المحيطة به، واقترحوا تغيير اسم ميدان «شارل ديغول» إلى ميدان «التحرير» أو «التغيير» تيمنا بأسماء الميادين التي احتضنت، فيما بعد، الثورات العربية.
وعندما لم يستجب الرئيس الفرنسي لنداءت العرب المتكررة، دعوا مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد لتأييد مطالب الشعب الفرنسي الذي كان يتظاهر في الشوارع، ويرفع الشعارات الرافضة لخطة الإصلاح التي كان الرئيس «ساركوزي» يريد فرضها عليه، قبل أن يصل الشعب إلى المطالبة برحيل الرئيس وإسقاط النظام!
لم يحدث شيء من هذا بالطبع، لأن «محمد البوعزيزي» تأخر قليلا في إضرام النار في نفسه، فتأخرت الثورات العربية عن حركة اتحادات العمال الفرنسية التي لم تجد من يساندها من الحكومات والشعوب العربية، وتم إجهاضها خلال أيام معدودة، ولا نحلم بأن يحدث شيء من هذا، على المدى القريب على الأقل.
كل ما نحلم به هو أن تترك الدول العظمى، التي تعتقد أنها وصية على الشعوب العربية، تلك الشعوب تدير ثوراتها وثرواتها بنفسها، وأن تدرك أنّ تدخلها يدنس هذه الثورات، التي كلما ابتعدت عنها تدخلات الدول العظمى كانت أقرب إلى الله والوطن، وأكثر طهرا ونقاء وحرية.