بينما تتزايد المطالبات بضرورة حلول لتداعيات خلل التركيبة السكانية، تبرز أهمية التركيز على قضايا النمو السكاني (Population Growth)، وتشجيع الأسرة المواطنة على الإنجاب.. حتى تتعادل نسبة الخصوبة بين المواطنين والوافدين، إذ أبانت الدراسات أن الظروف المعيشية المميزة في الإمارات، تشجع الوافد على الإنجاب، ليعود إلى بلاده بعدد من الأبناء..

 واللافت للنظر أن الإحصاءات المتاحة، تبين تراجع الخصوبة والإنجاب لدى الأسر المواطنة، ويصاحب ذلك ارتفاع في عدد وفيات الأطفال.. وهي ظاهرة منتشرة في معظم إمارات الدولة، وعلى نحو خاص في إمارتي دبي وأبوظبي، حيث وصل معدل الخصوبة العام في الفئات العمرية (‬15-‬49) إلى ‬97,7 في الألف، وارتفعت نسبة وفيات الأطفال بزيادة بلغت ‬33٪، وذلك إما بسبب الإجهاض أو الإصابة بالأمراض الوراثية.

لقد سبقت لنا الكتابة حول أهمية رأس المال البشري ودوره في بناء مجتمع المعرفة، وهو المجتمع الذي نصبو ونتطلع إليه في سياق الرؤية الاستراتيجية لحكومة الإمارات. لقد أدهشني حقاً التقرير المنشور حول تفشي الأمراض الوراثية في مجتمعنا، بكل أشكالها وأنواعها.. إذ تبين أن الأمراض الوراثية، تعد أبرز المشكلات التي تهدد الصحة العامة في مجتمع الإمارات..

ذلك أنها حسب الإحصاءات المتاحة، تؤدي إلى ما يتراوح بين ‬40٪ و‬70٪ من حالات وفاة الأطفال، ونحو ‬50٪ من حالات الإجهاض، و‬8٪ من حالات التخلف العقلي.. هذا يعني أن طفلاً من بين كل ‬25 يصاب بالضرورة بأحد الأمراض الوراثية..

ومع أنه لم تجر حسب علمي دراسة علمية حديثة عن واقع صحة الأسرة الإماراتية، إلا أن كل الدلائل تشير إلى زواج الأقارب، وهو من أكثر أنواع الزيجات انتشاراً في مجتمع الإمارات، باعتباره مجتمعاً ما زالت تسيطر عليه النزعة القبلية التي تدعو للارتباط بالأقارب، وهي ظاهرة يصعب تجاوزها أو القضاء عليها بين يوم وليلة.

إن جهوداً كبيرة لا بد أن تتضافر، وخاصة من وزارة الصحة والجمعيات النسائية، من أجل التوعية بمخاطر الأمراض الوراثية، وذلك بتشجيع الكشف المبكر عن أمراض الأطفال حديثي الولادة، لينسجم مع الجهود المبذولة، والتي تحتم الفحص الطبي على المقبلين على الزواج، سواء بواسطة مؤسسة صندوق الزواج أو من دونها.

. وقد يتطلب ذلك وضع أسس جديدة للسياسة الصحية في بلادنا، يتم التركيز فيها على أمراض الأطفال حديثي الولادة، وتكون من أولوياتها زيادة عيادات خدمات الرعاية الصحية الأولية للأمومة والطفولة، مع ضرورة التوسع في إنشاء المختبرات التي تساعد على الكشف المبكر لحالات الإصابة بأي من تلك الأمراض، ومن ثم يمكن خفض معدلاتها إلى أدنى حد ممكن.. وبذلك يمكن حماية مئات الأطفال من الإعاقات الذهنية والجسدية، بل وخفض نسبة الوفيات الناجمة عنها..

إننا من هذا المنطلق، ندعو إلى ضرورة تنظيم حملة وطنية للوقاية من الأمراض الوراثية، تعمل على تنظيمها وزارة الصحة الاتحادية، في إطار تنظيم حملة وطنية شاملة، وبالتنسيق والتعاون مع الدوائر المحلية للصحة، والجمعيات والمنظمات النسائية، وكل الفعاليات الاجتماعية.

ويكون من أهم أهدافها تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، والتقليل من الآثار النفسية التي لحقت وما زالت تلحق بالأسرة والمجتمع.. على أن تسير هذه الحملة جنباً إلى جنب مع البرنامج الوطني للكشف المبكر عن أمراض حديثي الولادة الذي تتبناه وزارة الصحة.

وهو برنامج يجري العمل به منذ خمسة عشر عاماً، ونجح خلال هذه المدة في الكشف على نحو ‬610,000 من حديثي الولادة على مستوى الدولة.. كما تمكن هذا البرنامج عبر الجهود المبذولة، من تشجيع الكشف المبكر الذي يعتبر جزءاً من العملية الوقائية.

اللافت للنظر أن المعدلات العالية لتفشي الأمراض الوراثية، تعتبر من أكثر التهديدات للنمو السكاني في مجتمع الإمارات. وما دمنا نسعى لإصحاح واقع التركيبة السكانية وزيادة رأس المال البشري، يبقى العامل الصحي من أهم العوامل التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار، لأن إسهام العامل الصحي يتوازى ويتساوى مع دور التعليم.. فمقاييس تنمية الموارد البشرية، تعتمد أساساً على مؤشرات الصحة والتعليم.

بقي أن أقول إن مرض الثلاسيميا يعتبر من أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً على مستوى الدولة، وتشير المعلومات إلى أن زواج الأقارب يعتبر من أكثر العوامل المسببة لهذا المرض، الذي يعيق كريات الدم الحمراء عن أداء وظائفها.. وفي رأي الأطباء أن الثلاسيميا مرض وبائي، ينتقل للأطفال من مورثات الأم أو الأب أو كليهما معاً.. بسبب تأثيره على العمود الفقري إبان المراحل الأولى للحمل، إذ يصاب النخاع الشوكي والأعصاب الشبكية.

نحن على ثقة بأن جهود وزارة الصحة وإدارات وأقسام صحة الأمومة والطفولة، تستطيع درء المخاطر التي تهدد النمو السكاني في مجتمع الإمارات، عبر السياسة الوقائية التي يدعو لها البرنامج الوطني للوقاية من الأمراض الوراثية.. لكن بما أن اليد الواحدة لا تصفق.

فإن نجاح سياسة الوقاية لا ينبغي أن يوكل إلى وزارة الصحة وحدها، بل لا بد من تضافر جهود الرعاية الصحية الأولية مع وزارات أخرى، فضلاً عن أهمية التنسيق مع المنظمات والجمعيات الناشطة في ميادين العمل الاجتماعي.. وهكذا يمكن تعويض المجتمع عن الفاقد السكاني الناجم عن الأمراض الوراثية، ليبقى شكل الهرم السكاني يدل على مجتمع متماسك، في ظل أسرة معافاة ومستقرة.