منذ البدء كان التلاحم الوطني هو العنوان الأوحد لمسيرة دولة الإمارات وشعبها الذي لم يهجر أرضها في زمن الجدب والعوز، بل ظل ملتصقا بترابها رغم قسوة الظروف وضعف الموارد، كما أن مسيرة الاتحاد في جوهرها هي مسيرة للتلاحم الوطني الذي وهب لنا هذا الوطن العظيم، للدرجة التي تجعلني أقول دون كثير جهد أو تنظير تاريخي: إن الإمارات هبة التلاحم الوطني منذ كانت فكرة في مخيلة المؤسسين، ولولا هذه التلاحم لما كان من الممكن أن تكبر هذه الشجرة الوارفة أغصانها، نتفيأ ظلالها وتفيض علينا بخيراتها. وقد عبر عن ذلك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حين قال «إن التآزر هو أحد أهم عناصر نهضة الأوطان، وإن الاتحاد هو طريق القوة والعزة والخير المشترك، والفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف. والكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم، فتلك هي عبرة التاريخ على امتداد عصوره»، كما أن نظرته للاتحاد نابعة في المقام الأول من الرغبة في زيادة أواصر القربى، ومن قناعة الجميع بأنهم أهل ومن الحتمي أن يجتمعوا تحت قيادة موحدة، بدلا من التفتت والتمزق الذي كان سائدا في ذلك الوقت.

فوضع البذرة التي تولاها بالرعاية والسقيا جيل من القادة حملوا الأمانة بصدق وإخلاص، من منطلق أن ما بين أبناء الإمارات من وشائج الدم والتاريخ والمصير المشترك، أكبر بكثير من حدود جغرافية زالت، فاتبعوا سياسة الباب المفتوح فلم يغلقوا بابهم دون شعبهم ولم يكونوا يوما بمعزل عنه، وضربوا النموذج والقدوة في التصاق القيادة بشعبها، يجالسونهم ليعرفوا مشاكلهم ومعاناتهم وطموحاتهم، دون حاجب أو حاجز، مما رسخ قيم التلاحم والتآزر والحوار والمصارحة.

عندئذ تشكلت البيئة الصحية لتعميق مفهوم التلاحم الوطني، وهو أهم مظاهر حب الوطن والحرص عليه، ومن أكبر عوامل الدافعية لدى المواطن في البذل والعطاء والتضحية في سبيله. ومن غير الممكن أن يتأتى هذا العطاء، إلا عندما يشعر المواطن أنه جزء من هذا الوطن يشارك في بنائه وينعم بخيراته، إضافة إلى الإحساس العميق بقيمة المواطنة التي وحدت المصير والغاية.

وهذا ما يدفعني للتأكيد على أن التلاحم الوطني ضرورة حتمية لكي تتواصل مسيرة الخير والبناء، مسيرة الإنجازات الحضارية الشاملة التي تقودها قيادتنا الرشيدة في مختلف ربوع الوطن، بتناغم وانسجام والتقاء الإرادات وصدق النوايا وقوة العزائم، وهو الباب الواسع لتفعيل قدرات التمكين على صعيد المشاركة السياسية والاقتصادية، وتحديث وتطوير البنية التحتية، وتوفير خدمات تعليمية وصحية وسكانية بأرقى المعايير العالمية، وتحقيق الرفاهية والأمن والرخاء والاستقرار للمواطنين. ولا يعني هذا التلاحم الانكفاء على الذات، ولكن هو في ذاته أكبر ضمانة للانفتاح على الغير والتواصل مع الآخر، سواء كان ذلك حضاريا أو اقتصاديا أو ثقافيا، ونحن واقفون على أرض صلبة بثقة تحفظ لنا هويتنا الوطنية.

ولأن مصلحة الوطن والارتقاء بحياة المواطن في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي ما نصبو إليه قيادة وشعبا، فلا شك أن توجيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، بإنشاء صندوق لتمكين التوطين، يأتي في السياق ذاته والنهج الثابت الذي سار عليه ولا يزال، واستكمالا لمسيرة الإنجازات الحضارية الشاملة، وملمحا لا شك فيه من الانسجام والتناغم بين القيادة والشعب، بعزم كبير وإرادة صادقة لاستكمال استراتيجية المستقبل، وتفعيل عملية التمكين على كافة الأصعدة، وخاصة السياسية والاقتصادية، وتحقيق الرخاء والأمن والاستقرار للمواطنين.

وهو ما أكده منذ اليوم الأول لتحمله المسؤولية، حين قال «إن أهم ما يجب الالتفات إليه هو العمل على تنمية القدرة الوطنية، ضمن رؤية شاملة يتضافر فيها جهد الحكومة بكافة مؤسساتها وآليات عملها مع حركة المجتمع، وأن هذا يتطلب زيادة القدرات التنافسية للأفراد والمؤسسات، وتمكين الأجيال الوطنية من استيعاب المعرفة على نحو تكون فيه قادرة على الدخول في شراكه محلية وخارجية، وتكون جسرا قويا لنقل المعارف وتوطينها بما يتناسب واحتياجاتنا وخططنا التنموية».

ولا شك أن ما طرحه صاحب السمو رئيس الدولة، هو من أكبر العوامل التي تزيد من التلاحم الوطني عندما يستشعر المواطن أنه يصنع مستقبله بيده، ما يجعله أكثر حرصا على مكتسباته وإنجازاته، لأن مستقبلنا لن تصنعه إلا أيدينا وإرادتنا، في ظل القيادة الرشيدة التي تفتح كل الأبواب لمن لديه عطاء لوطن يستحق المزيد.

كما أن هذه المبادرات الرائدة تجعلنا أكثر اطمئنانا على مستقبل هذا الوطن الغالي، وكذلك مستقبل أولادنا، وينم عن ثقة القيادة نفسها في قدرات أبناء الوطن الذين جاء دورهم ليتحملوا مسؤوليتهم للمساهمة الفعالة في استمرار عملية البناء، وأن تحافظ الإمارات على ما وصلت إليه وتزيد، كما أن هذا يلقي بمزيد من التحدي الذي يتطلب من كل منا مضاعفة البذل والعطاء، واستنفار كل ما لدينا من طاقات للحفاظ على أهم وديعة لدينا وهي وطننا.

وهنا يجب عدم إغفال دور المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام في ربط المواطن برسالتها، من خلال تدعيم قيم المجتمع وإدماج المواطنين، وعرض وجهات نظرهم بحرية، والبعد عن الفردية، والمحافظة على ثقافتنا، وأن تكون المرآة العاكسة لواقعنا الحضاري، وأن تلعب دورها التنويري في مواجهة معوقات التنمية إن وجدت، وتعريف أبناء الوطن بحجم التحديات المحيطة بنا، دون إغراقهم في طوفان من الترفيه والتغييب، كما أنه من الأهمية بمكان أن تقوم وسائل إعلامنا بمساعدة القيادة السياسية في الكشف عن جوانب الخلل والمشكلات المجتمعية التي يعاني منها المواطن، لتتم مواجهتها قبل تفاقمها.

إن قوتنا في تلاحمنا، لا أعتبره شعارا، ولكنه منهج حياة يجب التمسك به، لأنه لا بديل لنا غير أن نعض على مكتسبات هذا الوطن بالنواجذ، في ظل التحديات التي تحيط بمنطقتنا، وأن تقوم الجبهة الداخلية في صلابتها بواجب لا يقل عن باقي القوى وتتضافر معها، ليظل الوطن الحصن الحصين والملاذ الآمن لأبنائه من كل الأنواء والشرور. ولا شك أن تجربة الإمارات وما يتمتع به أبناؤها من حب لهذا الوطن، سيظل دائما الحصين المنيع في ظل التصاق القيادة بشعبها وحرصها على مستقبله.

 

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية

جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا