أعود إلى الكلام على الحب في يوم عيده، وإن تأخرت لانشغالي بالانتفاضات الجارية على الأرض العربية. فأنا من القائلين إنه لا ينبغي للقضايا الكبرى أن تطمس أو تبلع الهموم والمشاغل المتعلقة بالوجود اليومي، المُعاش والملموس، لأن المرء يخدم القضايا الكبرى، لكي يفوز بالأمور الصغرى، على نحوٍ يتيح له أن يستمتع بحياته بأشيائها ومفرداتها الشخصية والحميمة.
والحب يأتي على رأس هذه الأشياء، إذ هو أجمل وأروع وأنبل ما من أجله يعيش المرء أو يضحي بحياته، كما تشهد سِيَر بعض العشاق.
وفي كتاب «فصوص الحِكَم» الذي خصّص فيه ابن عربي لكل نبيّ حكمة، افتتح الكلام على النبي العربي بالحكمة القائلة {حُبِّب إلى من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني الصلاة}. وفي مكان آخر، قال ابن عربي إن الحب يسري في جميع الكائنات، بدءاً من العالم الأصغر، عالم الذرة، لأنه لولا عشق الذرات بعضها لبعض، لمادت الأرض بنا ولما كان ثمة وجود.
وأياً يكن، فالحب هو الأصل والمحرك في كل شأن، أكان كبيراً أم صغيراً، من التعلق بالجمال إلى محبة الحقيقة، ومن شغف المعرفة إلى الأنس بوجود المحبوب، ومن العطف على الأبناء إلى الانخراط في قضايا المجتمع والأمة والبشرية. وهكذا لا ينجح عمل ما لم تقف وراءه رغبة، قد تكون مودة أو شغفاً أو غراماً أو هياماً أو ذهولاً أو جنوناً... وإذا كان لكل شيء رغبته الخاصة، ففي الحب، الذي يجمع بين الذكر والأنثى، تجتمع كل وجوه الرغبة، عندما يبلغ الأمر الذروة، من المودة حتى الجنون، ومن الهيام حتى الذوبان.
ومن المستغرب أن يلجأ بعض شرطة العقائد، في المجتمعات العربية، إلى استنكار الاحتفاء بيوم الحب، في حين أن التراث العربي هو الأغنى في هذا الخصوص، بمعجمه الذي لا يضاهيه معجم آخر من حيث اتساعه وثرائه، إذ هو يضم عشرات المفردات التي تترجم حالات الحب ومواجد العشاق، وكما لا نجد ذلك في أية لغة أخرى.
وبات من تكرار القول بأن كلمة «المجنون» التي أطلقت على مشاهير العشاق، كقيس ليلى، قد انتقلت من العربية إلى اللغات الأجنبية، كما نجد لدى لويس أراغون الشاعر الفرنسي المعاصر الذي أطلق عليه اسم «مجنون إلسا». ومن المفارقات أن أسلافاً لنا صدّروا هذه الماركة الجميلة إلى الآداب العالمية، فيما نحن نُصدّر نموذج الإرهابي الذي يرى إلى العالم والآخر بعين البغض والعداء.
بالعودة إلى تجربتي، فإن اهتمامي بمسألة الحب، تتداخل فيه العوامل. منها ما يتعلق بالرغبة، فالمرء عندما يقع تحت هوى جامح لا يمكنه ترجمته عملياً، إنما يحاول صرفه على الأقل بواسطة الكلام، والحب ينطق بقدر ما يحرق. ومنها ما يتعلق بالمهنة، أعني درس خطاب الحب عند العرب، باستخدام أدوات جديدة في القراءة والتحليل. وأخيراً، وخاصةً، هناك ما يتعلق بالمحنة، أعني الحرب وأهوالها، فكان الكلام على الحب شكلاً من أشكال مقاومة الحرب بشراستها وضراوتها وعداواتها.
والحب، كما الحرب، كلاهما يشكّل حالة قصوى من حالات الوضع البشري. الحب على مستوى الفرد، والحرب على مستوى المجموع. وكلاهما حدث استثنائي خارق وعاصف، يزلزل ويغيّر في حياة الناس، وكلاهما لا تمكن السيطرة على مآلاته. إلى ذلك، فالعلاقة بين الحب والحرب وثيقة، لأن من لا يُحَب أو يُقدَّر أو يُعترف به، قد يفكّر في إيذاء الغير وشن الحرب.
ولا يستنفد الكلام على الحب، شأنه شأن سائر مفردات الحياة. ولذا نقف دوماً على الجديد، كما تشير الأعمال الصادرة في السنوات الأخيرة، في بلد كفرنسا. فهذا يكتب عن «ثورة الحب»، لأن الحب أشبه بزلزال في حياة من يقعون في التجربة. وآخر يكتب عن «تحولات الحب»، لأن الحب أشبه بولادة ثانية، رمزية، في حياة من يتذوق حلاوته وينال من لذاذاته. وثالث يكتب عن «مفارقات الحب«، كما تتجلى في قوة الحب وهشاشة المُحّب، لأن الحب كهوى جارف يُصبح أقوى من صاحبه، وقد يرتد عليه إذا لم يُحسن صرفه.
بعد هذا أجدني أختم أو أتوّج كلامي عن الحب بالكلام على المرأة. والمرأة هي الشطر الوجودي للرجل. قد اشتقّت منه أو هو اشتقّ منها، أو اشتقّ الاثنان من أصل واحد هما فرعان له.
بهذا المعنى، قد يصحّ القول بأن المرأة هي من ضلع الرجل، أو العكس. وأياً كان الأمر، فالمرأة، بالنسبة للرجل، هي الأمنية والوعد والحلم أو السرّ واللغز، بقدر ما هي مأواه ومسكنه أو جنته وفردوسه. ولعلّ هذا ما جعل حواء وآدم يهبطان من السماء إلى جنة الفردوس على الأرض.
ولهذا فإن أقصى ما يتمناه الواحد منهما في لحظات الوصال والعناق، هو أن يصهر الآخر في كيانه وأن يفنى فيه إلى الحد الذي يشعر معه أنه يود لو يكسر أضلاعه أو يلتهم أعضاءه، ولا ينقذه من ذلك سوى قضاء الوطر. وهو يأنس بحضورها، على أي صورة بدت، بالوجه الفاتن أو العيون الساحرة أو الشعر المنسدل أو القدّ الأهيف.. حتى عندما تغيب المرأة، يكفي أن تسمع صوتها العذب لتنتشي، أو أن يرنّ في أُذنك إيقاع حذائها حتى تطرب أو تضطرب..
وهكذا، فالمرأة تزيّن المكان بحضورها. وهي لا تحضر حضور الطبيعة والغريزة، بل تحضر كعالم بعلاماته وشيفراته وألغازه، بحيث لا تنفك عن بثّ إشاراتها ورسائلها، بكلماتها ونظراتها وحركاتها.. وهي عندما تغيب تحضر على نحو أقوى، عبر الخيال بتراكيبه وسيناريوهاته.
وقد يتحول غيابها إلى هاجس أو وسواس، لأنه لا شيء يعوّض غياب المرأة، لا الثروة ولا السلطة ولا الشهرة، لأن كل هذه تصبح نافلة في غياب المرأة، التي تحتل منزلتها في قلب الرجل وتسكن عقله وخياله، كأنثى مغرية أو سيدة جميلة أو زوجة ودودة. ولذا، فإن محاولات الرجال حجب النساء، تشبه مَن يدفن رأسه في الرمال.
ولكن، لكل شيء وجهه الآخر. فالعلاقة بين المرأة الرجل، هي محل التباس أو توتر ونزاع. قد تكون سكينة ثم تنقلب إلى مشاحنة. ذلك أن المُحب يُعلن أنه أصبح عبداً لمحبوبه، فيما هو يريد تملكه واستعباده.
من هنا حاجة العلاقة بين الاثنين، أكانت زواجاً أم صحبةً أم حباً، إلى السوس الدائم. لأنها لا تحكمها فقط قوانين الغريزة ودوافع المصلحة، بل هي ثمرة ثقافة وصناعة للحياة مشتركة، يجري بناؤها وتعزيزها وإثراؤها بالتفكر والتخيّل، كما بالتدّبر والتجدّد.