من فضائل اللحظات الثورية الكبرى أنها تخلط الأوراق السياسية وتسمح ببروز توجهات جديدة في العلاقات الدولية. والأحداث العميقة التي عرفتها تونس ومصر وربما دول عربية أخرى في الأسابيع أو الشهور القادمة لا تشذّ عن هذه القاعدة.

إن حركات الاحتجاج التي تجتاح العالم العربي تضع العالم الغربي في مواجهة تناقضاته. وفي واقع الأمر إذا كانت المطالب الاجتماعية والديمقراطية التي برزت فجأة في العالم العربي تندرج في سياق منظومة القيم التي تدافع عنها القوى الغربية فإنها تتناقض في الواقع مع السياسة الإقليمية لهذه القوى الغربية نفسها.

ومنذ عقود تتميّز سياسة العواصم الغربية، وخاصّة واشنطن، بهدف مثلّث هو الوصول إلى مصادر الطاقة والمحافظة على أمن إسرائيل وصد الحركات الإسلامية. إن الوسائل المستخدمة لبلوغ هذه الأهداف تجمع بين إقامة شبكات من التحالفات وتنظيم عمليات تدخّل عسكرية واللجوء إلى العقوبات. هذه السياسة صبّت في مصلحة السلطات العربية التي عززت مواقعها وزادت من امتيازاتها.وهكذا جرى إهمال القيام بإصلاحات اجتماعية وديمقراطية ضرورية.

إن الغرب الذي لا يتوقف عن تلقين الدروس في الأخلاق للعالم أجمع شجعّ قيام مثل تلك الأوضاع. وجميع النداءات الخاصّة باحترام حقوق الإنسان لم تتبعها إجراءات ملموسة. هذا، ولا نزال نذكر أنه أثناء الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام ‬2006 التي أكّد المراقبون الدوليون أنها كانت سليمة تقنيا لم تقبل وواشنطن والدول الأوروبية بنتائجها. فما هي الصورة الممكنة للديمقراطية في ذهن الفلسطينيين وشعوب المنطقة؟. بكل الأحوال هي ليست الصورة التي يدافع عنها الغربيون الذين يبدون كمنافقين.

بالتوازي مع هذا يُلاحظ، منذ سنوات، العجز الغربي المتعاظم حول الملفات الإقليمية الكبرى، أي السلام في الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني والعراق ولبنان.كما أن الولايات المتحدة أظهرت مؤخرا عجزها عن جعل حليفها الإسرائيلي يحترم القانون الدولي. بالمقابل برزت قوى إقليمية جديدة، خاصّة تركيا. في مثل هذا السياق تبلورت الهبّات الثورية التونسية والمصرية.

ومن المثير للانتباه أنه في هذه المنطقة التي تعرف انتشار العداء لأميركا، بل والعداء للغرب عامّة، لم تظهر في أية لحظه شعارات ضد سياسة القوى الغربية.لقد انحصرت المطالب بالحريات السياسية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الشعارات التقليدية مثل دعم الحركة الوطنية الفلسطينية. هذا الأمر قد يمكن تفسيره بكون أن إدارة اوباما حاولت دعم المطالب الشعبية شفهيا.لكن ما هو أعمق يكمن في كون أن المجتمعات العربية قد أدركت أن مصالحها مشتركة وأن الصعوبات الموضوعية التي تواجهها مشتركة أيضا.

كما أن الدورة الإعلامية المعولمة ساعدت العرب على التعارف فيما بينهم بشكل أفضل.ورغم القمع والرقابة على وسائل الإعلام تمرّ المعلومات بفضل الانترنت والقنوات الفضائية.هكذا بدت التعبئة التونسية والمصرية للعرب وكأنها تعبئة عربية أيضا وأن هناك إمكانية لتغير أوضاع مستمرّة منذ عدّة عقود. أمّا الحكومات العربية فقد حاولت نزع فتيل امتداد حركات الاحتجاج عليها عبر اتخاذ بعض الإجراءات السياسية وبعض التدابير الصغيرة باتجاه العدالة الاجتماعية. ولا أحد يعرف إذا كان هذا الأمر كافيا. المؤكّد أن ما جرى في تونس ومصر يتردد في تفكير العديد من الشعوب الأخرى.

بالنسبة للولايات المتحدة،لا شكّ أن الدفاع عن مصالحها الخاصّة يفسّر تأخّرها في اتخاذ مواقف لصالح الديمقراطية وبدا واضحا أنها لن تتردد في التخلّي عن أنظمة كانت قد دعمتها منذ عقود.. ومن المحتمل قليلا تغيير السياسة الغربية على المدى القصير من حيث الهدف المثلّث الذي تسعى إليه. الثورة لن تنجح في كل مكان،لكن آثار الصدمة التي تتوسع حاليا تغيّر جذريا من المبادئ السائدة. وهناك مؤشرات عديدة على ذلك بعد نزول ملايين الرجال والنساء إلى الشارع.