تنشط حركة الاتصالات الداخلية في كواليس السياسة اللبنانية، لإنضاج عملية تشكيل الحكومة الجديدة، وتواكبها اتصالات خارجية بعيدة عن الأضواء، تمثلت في حركة تركية تجاه قطر وسوريا، من أجل تحصين الاستقرار في لبنان وتعزيز قدرة الرئيس ميقاتي على تشكيل حكومة وطنية جامعة، على عكس ما يروج له بعض الأطراف في لبنان لناحية تشكيل حكومة من لون واحد، أو حكومة كيدية تستأثر بالسلطة وتدخل لبنان في مواجهة مع المجتمع الدولي. وتحرص الحركة التركية الناشطة على أن تكون الحكومة الجديدة حكومة وطنية جامعة، قادرة على حماية لبنان من العواصف العاتية التي تضرب المنطقة. وتنقل مصادر متابعة عن القيادة التركية دعمها للرئيس ميقاتي ولمواقفه التي عبر عنها مؤخرا، لا سيما لناحية الموقف من المحكمة الدولية.

وترى المصادر أن هناك وجهتي نظر تجاه موعد تشكيل الحكومة؛ الأولى تنادي بالإسراع في تشكيل حكومة متجانسة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة على أكثر من مستوى، لا سيما فك ارتباط لبنان بالمحكمة الدولية، إضافة إلى معالجة الوضع المعيشي وتفعيل حركة الاقتصاد، على اعتبار أن وجود الرئيس ميقاتي على رأس الحكومة يشكل رسالة مطمئنة للدول الداعمة للبنان، وللمستثمرين العرب والأجانب ما يعكس استقراراً اقتصادياً ومالياً. ووجهة نظر أخرى تقول بالإسراع لا التسرع، وأن يعطى الرئيس المكلف ما يحتاج إليه من وقت لمشاوراته مع فريق ‬14 آذار وتيار المستقبل وإقناعهم بالانضمام إلى حكومته العتيدة، وبالتالي إبعاد الملفات الخلافية عن عمل الحكومة ونقلها إلى طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية. وهذا الرأي لا يمانع في تمرير الوقت إلى حين الكشف عن مضمون القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، المتوقع إعلانه قبل نهاية فبراير، واتضاح مسار الأحداث في مصر واتجاهات الرياح في المنطقة.

لكن المصادر التي بدت أكثر قرباً من وجهة النظر الأولى، أبدت قلقها من انفلات الأوضاع في لبنان أو انتقال عدوى التظاهرات في مصر إلى دول أخرى، ما يغرق المنطقة في فوضى عارمة غير منضبطة وغير خلاقة، كما ترغب وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. وتقول هذه المصادر إن انتقال كرة النار من بلد إلى آخر في المنطقة، يعني أن العديد من الدول العربية ومعها دول أخرى في الإقليم، معرّضة لمرحلة من عدم الاستقرار، واهتزاز أوضاعها الداخلية، الأمر الذي يدفع بالرساميل الاستثمارية والودائع المالية إلى البحث عن ملاذ آمن، ما يتطلب استعجالاً في تشكيل حكومة قادرة على التقاط الفرصة الاقتصادية تلك، على أن النقطة الأهم هنا تبقى في الحفاظ على هدوء الشارع، والإفساح في المجال أمام الحركة الاقتصادية، لاستيعاب ما يمكن أن يسفر عنه الزلزال السياسي في المنطقة من نتائج اقتصادية ومالية غير مباشرة على الدول المعنية، وذلك بتكريس الوطن الصغير ملاذاً آمناً، وموطن جذب للاستثمارات الباحثة عن الاستقرار في منطقة متوترة.

وفي سياق منفصل عن الداخل اللبناني إلاَّ أنه مرتبط بشكل آخر بالمشهد الإقليمي العام، سرّعت قوات الاحتلال الإسرائيلي من تجريف وسرقة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لمصلحة الاستيطان وبناء الوحدات الاستيطانية الجديدة، فقد شوهدت جرافات الاحتلال وهي تقوم بأعمال التجريف في قرى جنوب نابلس وشمال رام الله وسلفيت وقرب الخليل. كما أن المظاهرات المصرية وضعت إسرائيل أمام عدة خيارات تتحسب لها وتتهيأ، تماشيا مع سيناريوهات عدة تبدأ من إعادة احتلال غزة وحشد قوات لها على الحدود المصرية، وتنتهي بإعلان الاستنفار وحالة الحرب لإجبار أميركا على التدخل لمصلحتها، وفي موقف يعكس هذه الهواجس وافقت إسرائيل على دخول ‬800 جندي مصري إلى سيناء.

وفي مرحلة الانتظار هذه، ستنشط إسرائيل أمنيا داخل الساحة المصرية كخطوة هامة لاستطلاع المعلومات، والتي يمكن أن تتحول لاحقا إلى ممارسات تربك الوضع الأمني المصري.

بعيداً عن هذا المشهد العربي الكبير، مع ما يحمله من ملامح ودلالات من شأنها أن تفرض نفسها وأن تحمل الكثير من الانعكاسات على إيقاع الواقع اللبناني وتطوراته وتوازناته، لم يتبلور بعد اتجاه الحل لتشكيل الحكومة الجديدة، رغم زخم المشاورات الحثيثة التي يجريها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، انطلاقاً من الثوابت التي رسمها لموقعه الذي اختاره وهو الوسطية والاعتدال، وبالتالي الابتعاد عن أي صيغة حكومية كيدية أو انتقامية، ولناحية التأكيد على الإجماع الوطني في بت كل القضايا الخلافية، ورفض تقديم اي ضمانات (لفريقي ‬14 و‬8 آذار) بشأن كيفية التعاطي مع ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ويستمر ميقاتي في مباحثاته ولقاءاته مع كل القوى السياسية حول شكل الحكومة الجديدة، بما يؤمن الحد الأدنى من تجاوز مخاطر مأزق الأزمة الراهنة، وخروج لبنان من حالة التخبط والشرذمة والانقسام السياسي، ومن حالة الانكشاف السياسي والأمني والاقتصادي، وذلك على النحو الذي ينعكس إيجاباً على صعيد الداخل اللبناني في ظل تطور الأحداث الخطيرة التي تجري في المنطقة.

ويبدو واضحاً من خلال المداولات والمشاورات الجارية، أنه لا يزال هناك العديد من العقبات التي تحول دون إتمام تشكيل الحكومة الجديدة، والعقد القائمة تتراوح بين مواقف وشروط للمشاركة، وبين من يطمع للاستئثار بالسلطة والحكم، فيما مواقف الرئيس المكلف في هذا الشأن تبعث إلى مزيد من الاطمئنان، لا سيما أن أوساط الرئيس ميقاتي تؤكد حرصه المستمر على إعطاء الحوار مع جميع الأطراف، كل الفرص في سبيل الوصول إلى تشكيلة يشارك فيها الجميع (‬14 و‬8 آذار)، أو بالذهاب إلى حكومة تكنوقراط ـ سياسية بعيدة عن كل ما يمت إلى سياسية الكيد والاستئثار.. وهذا ما يوحي بأن موعد تأليف الحكومة العتيدة، ما زال غير محدد حتى إشعار آخر.

ويؤكد المراقبون لمسار مخاض تشكيل الحكومة، أن هناك صعوبات عديدة لا تزال أمام عملية التأليف، وكل الطروحات ما زالت في إطار العموميات، وأن بعض المواقف الالتفافية والطروحات التي يمكن وصفها بالمناورات، لا تزال تحول دون الوصول إلى تفاهم يؤدي إلى تحديد الخطوط العريضة، على الأقل، لشكل الحكومة، للانتقال بعدها إلى مسألة تحديد الحقائب والأسماء التي بدورها تحتاج إلى مشاورات قد تطول أيضاً.

غير أن هناك اتصالات عربية شددت على ضرورة بذل كل الجهود الممكنة، لتذليل العقبات والمطبات التي لا تزال تعرقل وتضع الحواجز أمام جهود تشكيل الحكومة، في ظل معطيات متعددة داخلية وخارجية تحتم الإسراع في تشكيلها، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي لا تنتج سوى السلبيات وتعقيد الأمور وإضاعة الفرص.

كاتب لبناني