تصور معي عزيزي القارئ، لو أن الجاني الذي اعتدى على نائبة الكونغرس الأميركية غابرييل غيفوردز، كان مسلما أو من أصول عربية!
ففي الأسبوع الماضي، كانت نائبة الكونغرس الديمقراطية غابرييل غيفوردز، في زيارة لدائرتها الانتخابية في ولاية أريزونا بهدف عقد لقاءات مع أهالي الدائرة، وهي لقاءات تسميها النائبة «الكونغرس على ناصيتكم»، حيث تعقدها مع الأهالي حيث هم، في المقاهي وعلى نواصي الشوارع، ويتم الإعلان عنها مسبقا. وبينما النائبة تقف مع مواطنيها قرب أحد المتاجر، إذا بشاب يقترب منها ويطلق النار من سلاحه نصف الآلي، ومن مسافة قريبة للغاية، ثم يطلق النار بشكل عشوائي فيصيب، ليس فقط النائبة إصابات بالغة لا تزال معها في حالة حرجة، وإنما يقتل أيضا 6 آخرين بينهم قاض فيدرالي وطفلة في التاسعة من عمرها، ويصيب 14 غيرهم. وقد كشفت التحقيقات الأولية أن الشاب يعاني من اضطرابات نفسية.
تصور معي إذن، لو أن هذا الجاني الذي يعاني اضطرابات نفسية، كان مسلما أو من أصول عربية، ماذا كان سيحدث في أميركا؟
الإجابة عندي أن الحادث كان سيصنف منذ اللحظة الأولى باعتباره حادثا إرهابيا، وخصوصا أن النائبة المصابة يهودية. وجهات التحقيق لم تكن لتقتصر على السلطات المحلية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وإنما كانت ستنضم لها هيئات أخرى تعمل في مجال مكافحة الإرهاب، وكانت ستبدأ موجة جديدة من مراقبة العرب والمسلمين في الولايات المتحدة «تحسبا لهجمات إرهابية جديدة».. إلى آخر ما تعرفه جنابك مما يحدث كلما وقع حادث مشابه، ولم يكن سيشفع في ذلك كله أن الجاني يعاني اضطرابات نفسية تصيب معتنقي كل الديانات! فأنت بالتأكيد تذكر معي أن جريمة قاعدة فورت هود التي كان فيها الجاني قد أطلق النار عشوائيا على زملائه، أشارت فيها التحقيقات هي الأخرى إلى أن مرتكب الحادث ـ المسلم ـ نضال حسن، كان يعاني اضطرابات نفسية، ومع ذلك اعتبر الحادث إرهابيا منذ اللحظة الأولى!
لكن مرتكب جريمة أريزونا ليس مسلما، ولا هو من أصول عربية. فهو من البيض الذين يعيشون في الولاية. ويبدو للأسف أن لون بشرة الجاني ـ الذي يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاما ـ كان كافيا لجهات التحقيق حتى لا تفتش عن دينه، ولا تسلط الضوء على ديانة نائبة الكونغرس. وكان كافيا للإعلام أيضا الذي لم يشر إلى دين الجاني، ولا دين الذين راحوا ضحية جريمته. بل أكثر من ذلك، يبدو أن لون بشرة الجاني كان كافيا حتى لا يتم اعتبار الحادث إرهابا!
فرغم بشاعة الجريمة والعدد الكبير للضحايا، إلا أن وصف الإرهاب لم يطلق ولو مرة واحدة على ما جرى، سواء من جانب السلطات المعنية بالتحقيق، أو من جانب الإعلام. فإذا كان الإرهاب هو ترويع المدنيين، فهل هناك أكثر من واقعة يتم فيها استخدام السلاح بشكل عشوائي؟ وإذا كان الإرهاب هو استهداف الخصوم من السياسيين، فهل هناك أكثر من جريمة راح ضحيتها قاض واستهدفت فيها نائبة في المجلس التشريعي؟
بل أكثر من ذلك، فإن ما هو جدير بالتأمل حقا، هو أن الجريمة بكل ملابساتها، لا يمكن إلا أن توصف بأنها جريمة إرهابية بامتياز، وفق التعريفات الأميركية ذاتها. فالجاني، رغم اضطرابه النفسي، إلا أن جريمته لم تكن وليدة لحظة اضطراب مفاجئة أصابته، فهو خطط لجريمته واستعد لها. وقد عثر رجال الأمن في خزينة في منزل المتهم، على ظرف كتب فيه بخط يده عبارات من نوع «لقد خططت»، واستخدم تعبير «اغتيال»، بل وذكر نائبة الكونغرس غابرييل غيفوردز بالاسم. والجريمة لها بعد سياسي واضح أيضا، فالشاب رغم اضطرابه، إلا أن المعلومات التي توفرت عنه، تؤكد أنه يؤمن بأفكار اليمين المتطرف في أميركا، الذي يعادي الحكومة الفيدرالية ويسعى للتخلص منها، لأنه يعتبر أنها تتآمر على المواطنين وتسعى لتجريدهم من حقوقهم وممتلكاتهم.
وجريمة أريزونا تلك، ليست جديدة في مضمونها، إذ هي مجرد واحدة في سلسلة طويلة من جرائم مماثلة ارتكبها معتنقو تلك الأفكار، وأشهرها جريمة أوكلاهوما التي قام فيها تيموثي ماكفاي، الذي يؤمن بتلك الأفكار نفسها، بتفجير المبنى الذي يرمز للحكومة في الولاية عام 1996، وراح ضحيته العشرات أيضا. بل إن شابا آخر يؤمن بالأفكار نفسها، كان قد اقتحم بطائرته مؤخرا مبنى هيئة الضرائب الفيدرالية في ولاية تكساس.
ورغم أن تفجير مبنى أوكلاهوما لا يختلف في بشاعته عن جريمة 1993 لتفجير مبنى التجارة العالمي، ورغم أن جريمة طائرة تكساس لا تختلف في إجرامها أيضا عن إجرام طائرات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن جريمتي أوكلاهوما وتكساس لم توصفا بالإرهاب. والفارق ليس له علاقة بتطرف الجناة وإجرامهم، أو ببشاعة الجريمة وضحاياها الأبرياء، إذ يبدو أن الفارق الوحيد هو أن الجاني في الجرائم التي لا توصف بالإرهاب، أبيض البشرة.
ولا يوجد جديد، بالمناسبة، في كل ذلك. فالأقليات الأميركية عموما، تعرف جيدا أن تعبير «الإرهاب» و«الإرهابي» يعاد إنتاجه في كل مرحلة زمنية، وفق المتغيرات السياسية بالدرجة الأولى. فالسود في أميركا، مثلا، لا ينسون أبدا أن الكثير من قادة حركة الحقوق المدنية اتهموا بالإرهاب. بل إن نيلسون مانديلا كان «إرهابيا» بحكم القانون الأميركي، حتى تم إلغاء ذلك بقرار من الكونغرس عام 2007.
بعبارة أخرى، فإن ما يحدث اليوم بالنسبة للعرب والمسلمين في أميركا، ليس جديدا على الإطلاق. فهو طال أقليات أخرى سبقتهم، وربما يطال غيرهم حين يتم اختيار «عدو» جديد لأميركا.