رغم دعوات العولمة وفلسفتها القائمة على أن «الكل في واحد»، ورغم ما بذل من دعوات لحوار الحضارات، وما صم آذاننا من شعارات التعايش السلمي والأخوة الإنسانية وعالم واحد في كوكب واحد.. رغم كل ذلك وما سيأتي ويستجد من شعارات أخرى، إلا أنها لم تبرح مكانها واقفة في خانة الشعارات وفقط.
فحالة الرفض والاستعداء العالمي، الذي وجد في العرب والمسلمين البديل الهين اللين لعدو زال ملكه ـ وهو الاتحاد السوفيتي السابق ـ واختار أفغانستان ليستعرض فيها قوته أمام العالم، ظنا منه أنه استعراض أعباؤه قليلة، مستندا على دعوات لا تنقطع تختزل العرب والمسلمين في صورة ابن لادن، والظواهري، ودعاة علمهم بدينهم خافت ذابل، لكن أصواتهم ـ في الدعاء على أعدائهم بتيتيم أطفالهم وترميل زوجاتهم وهدم بيوتهم ـ عال ومجلجل، ليصورهم من يتربص بنا ويؤطر ذلك ليعلن للعالم في وسائل الإعلام؛ هؤلاء هم العرب والمسلمون وذاك دينهم الداعي إلى تدمير البشرية وهلاكها! مغفلين موقف الرسول الكريم يوم أن مرت أمامه جنازة فقيل له إنها ليهودي، فقال «أو ليست نفسا؟»، وهو القائل «كلكم لآدم وآدم من تراب».
وهناك مناخ سائد في منطقتنا العربية، سمه ما شئت وأطلق عليه ما تريد من الكلمات مثل «الاحتقان»، ليعبر عن حالة مزاجية أو نفسية ناتجة عن تعصب مبني على إدعاء احتكار الحقيقة ونفي للآخر، مما يؤصل مزيدا من التنافر والشقاق الذي يلبس عباءة الدين، بين أصحاب الملل المختلفة، ليقتل ويدمر مدعيا أن ذلك باسم الله، أو يتزيا بالزي الطائفي بين أبناء الدين الواحد، أو انقسام بين أصحاب المذاهب والأحزاب السياسية المختلفة، وما أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة في دول عربية لها تجربة برلمانية كبيرة، يعبر بجلاء عن حالة مزمنة من عدم الاعتراف بالآخر والتمادي في إقصائه وتهميشه ونفيه، وتأصيلا فعليا لواقع التعصب السياسي الذي قد يؤدي إلى انفجار داخلي يأتي على الأخضر واليابس.
والنتيجة واحدة في كل الأحوال؛ تهتّك في نسيج الوطن الواحد، ومزيد من الكراهية.. وما حدث من هجوم على كنيسة القديسين في الإسكندرية وردود الأفعال التي حدثت بين أبناء الوطن الواحد، تكشف بجلاء عن تعبئة نفسية تنتظر لحظة الانفجار لتعبر عن نفسها، وهو نفس الدافع الذي جعل من السودان الواحد سودانين، في سابقة تدمي قلوب العرب قبل السودانيين أنفسهم، وهو نفس المنطق السائد في العراق الذي لا يكتفي بالإقصاء اللفظي، بل تعدى ذلك إلى إقصاء من نوع آخر، وسيلته العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، إضافة إلى لغة طائفية تقطر دما، جعلت من العراق الكبير جزرا منعزلة، واليمن الحزين لم يزل غير قادر على لملمة جراحه وتجاوز أزماته.
في رأيي أن نشر ثقافة التسامح هو من أخطر وأهم القضايا التي تواجه عالمنا العربي، فإلى جانب مردودها الإيجابي على تقدم دولنا، وإيجاد بيئة ديمقراطية مواتية تحترم المخالفين والمختلفين ومحفزة للإبداع، فهي باب لسد ذرائع الكائدين ومن يدبر لنا في الخفاء، في ظل حالة من الاستقواء بالخارج تنتشر بين أبناء الوطن الواحد في بعض بلادنا العربية، سواء كان هذا الخارج إقليميا أو دوليا.
إن ثقافة التسامح تنم عن قوة في الفكر والموقف، وقبول الآخر ينم عن ثقة بالنفس وإيمان بما تتبناه من قضايا ومواقف، وقدرة على الاقتراب منه وحواره دون خوف يضع سدا منيعا بيننا وبينه، وقدرة على استجلاء نقاط الاتفاق لتعزيزها والعمل عليها، وجوانب الاختلاف التي يجب أن نحترمها ونقبلها كما هي، دون نكء للجراح، رافعين شعار «عش في سلام ودع غيرك سالما».
وكما كان للتزاوج بين المعلومات والتكنولوجيا آثاره الإيجابية، من سرعة انتشارها وسهولة الوصول إليها ونشأة ما يسمى بالإعلام الموازي، إلا أن هذا الشكل الجديد أيضاً تستغله أطراف معلومة أحيانا وغير معلومة في كثير من الأحيان، بجهل أو لأهداف غير بريئة، لزرع الفتن وغرس ثقافة الكراهية ونفي الآخر، وقد تدخل على خط التماس أطراف ليست خافية على أحد، لتحقيق أهدافها على دماء وأشلاء البشر، لأن وجودها ذاته مرتبط بوجود هذا الشقاق والتنافر بين الناس.
لذلك من يتصفح مواقع الانترنت يجد أنها مرتع ينطلق منه خطاب يطفح بكافة أشكال التعصب وإقصاء الآخر، سواء بين الدول بعضها البعض أو بين شركاء الوطن الواحد، وتوابع زلزال مباريات كرة القدم بين البلدان العربية وكيف استخدمت فيها الانترنت لتأجيج سعارها الذي يبدأ الكترونيا ثم ما يلبث أن يتحول إلى واقع معاش، فضلا عن أنك لا تستطيع تحديد هوية هؤلاء الذين يزرعون بذور الكراهية أو التأكد من محتوى خطابهم، لذ استوقفتني إحدى الحملات التي أطلقت منذ فترة قريبة بعنوان «إنترنت بلا فتنة«، لوأد الفتنة في مهدها قبل أن تنتقل من الواقع الافتراضي إلى دنيا الناس. كما أن الخطاب المستخدم في بعض وسائل الإعلام العربية، يحول دون إيجاد بيئة متسامحة، بتوغله في المنع والتحريم والتجريم متبعا مبدأ التصيد والترصد للآخر، خاصة وأن سوق التشدد في عالمنا العربي بضاعته رائجة، والدعوة للتسامح وقبول الآخر أيا كانت طائفته أو مذهبه أو عرقه أو دينه أو لغته، يتهم أصحابها بالتفريط والتهاون والتنازل.
ولا شك أن وسائل الإعلام هي إحدى أهم أدوات تعزيز ثقافة التسامح، إذا ما كان الخطاب المقدم من خلالها خطابا يدرك قيمة الكلمة وخطورتها وتأثيرها، وتأتي خطورته باعتباره أحد أهم وسائل ترويج الثقافة للملايين من البشر على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية، كما أن ما يقدمه هو انعكاس لحالة ثقافية تعيشها الشعوب، سواء تم التعبير عن ذلك برامجيا أو دراميا أو عبر الأغنية التي تهز المشاعر وترقي النفس وتردد على ألسنة الناس.
إننا بحاجة إلى إعلام يعزز قبول الآخر، حتى ولو اختلفنا معه.. إعلام يعلي من شأن قوة الحجة والمنطق، لا منطق القوة وبطشها.. إعلام يقيم حالة من الحوار البناء الذي تتكشف من خلاله المواقف، ويميط اللثام عن حالة الخصام الفكري أو الانسحاب المجتمعي التي تنتج كانتونات تتربص ببعضها البعض.. إعلام يعزز من قيم التسامح ويواجه التعصب والاستعلاء، ويساعد الناس على التلاقي عند نقاط الاتفاق.. إعلام يؤكد أن الاختلاف والتباين بين الناس من أعظم وأكبر آيات الله في كونه، دون أن نترك أبوابا ينفذ منها الآخرون لتعميق جراحنا، لأننا لن نقبل أن نكون أحجارا على رقعة شطرنج.