تتابع الأحداث الأخيرة التي حدثت في تونس والتي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، وحققت انتصاراً لإرادة الشعب التونسي في خلعه، نجدها قد زرعت الأمل في نفوس المغبونين في بعض الدول التي تعاني من جبروت الطغم العسكرية الحاكمة والمستبدة، والتي طال عليها الأمد في سدة الحكم، دون أن يشعر مواطنوهم بنعمة الأمان والرخاء.

ويمكن القول إن أحفاد أبو القاسم الشابي قد فهموا الدرس متأخرا، بعد أن ظلوا مسحوقين طوال فترة حكم الرجل، رغم أنهم قد صدروا للعالم أروع ما كتبه شاعر الحرية التونسي «الشابي» في قصيدته الرائية الشهيرة «إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر»، ومن روعة كلماتها أنها سهلة الحفظ وجلية الفهم، ولكنها كانت تنتظر التفعيل، إلا أن الأرواح متى ما تحررت من عبودية الخوف، انسابت نحو الموت ووضعت حدا لفكرة التعايش ومماحكة الواقع التعس.

ولعل فكرة حرق الجسد التي خطرت على بال سيدي محمد بوعزيزي، بعد أن صادروا آخر أمل له في الحياة وهو بيع الخضار، دفعته إلى هذا النوع من الاحتجاج على الفقر والبطالة وتضييق العيش، بعد أن وضع شهادته الجامعية على الرف ونزل لبيع الخضار! فالفكرة الأساسية من انتفاضة الشعوب تاريخيا، تتمحور دائما حول لقمة العيش، والطبقية الحادة التي تعيشها هذه الشعوب، لذا تكتسي هذه الانتفاضات بملامح الوطنية والصدق، وتعبر بصدق عن مشروعية التغيير وشرعيته التي يعلو صراخها من التراب إلى العنان، دون أن تقف وراءها دبابة أميركية أو سلاح فرنسي، لذا ابتهج العالم يوم الرابع عشر من هذا الشهر، وهو يرى كافة أطياف الشارع التونسي تجوب الطرقات في هتاف مستمر وغبطة برحيل «بن علي».

إن الدروس التي يخرج بها الإنسان العربي وهو يتابع ثورة الشعب في تونس الخضراء، تجعله في حراك شخصي دائم، فيقف أمام كثير من مشاعر الإلهام التي رأينا بعضها من خلال ما قدمه بعض وسائل الإعلام، ولعل الجزيرة الإخبارية قد وقفت ودعمت هذه الانتفاضة أكثر من غيرها، حين عرفت كيف تدير اللعبة الإعلامية في تونس، في توقيت حساس وضعت فيه خبراتها في إدارة وتحليل الأزمات تحت إمرة المشاهد، الذي استطاع أن ينفذ للحظات الحساسة التي رافقت هذا التغيير التاريخي في تونس، ومنحت المشاهد فرصة للتقاطع مع الحدث، منبعثا على التفاصيل الدقيقة وبإسهاب غير ممل، لذا باتت الثورة التونسية في قلب كل عربي من خلال إعلام عربي حر ونزيه. وردا على كل من يشكك في هذا المنبر الذي ينبري دوما للحفاظ على حقوق الشعب العربي أينما كان، وإذا كان من محرك لهذه الثورة فإن الحرية الإعلامية التي منعت وحجبت وقيدت، هي التي فجّرت هذه الأحداث، والشاهد تغييب حادثة حريق البوعزيزي وما تلاها من احتجاجات، والتي حجبت آنذاك عن العالم. لذا حين وجدت لها منفذا عبر الانترنت دفعت الآلاف للاحتجاج، فالسطوة التي يملكها الإعلام عبر شبكات الاتصال المرئي والمقروء وعبر شبكة النت، شحذت الهمة في الخروج عن النص.

فرغم حجب مواقع إلكترونية وإخبارية مهمة، تمكن متصفحو هذه المواقع من اختراق الحظر، وبث العديد من التونسيين تسجيلات مصورة لمشاهد من الاحتجاجات، أتاحت للملايين عبر العالم مراقبة تطورات الاحتجاجات التونسية، والتقط معظم تلك الصور بكاميرات هواتف محمولة، وجدت طريقها إلى مواقع إلكترونية، كموقع فيسبوك ومواقع أخرى، نجح مرتادوها في اختراقها، وأظهرت للعالم أحداثا ما كان ليتمكن من مشاهدتها، وكانت السلطات التونسية قد أدركت مدى خطورة المواقع الإلكترونية والمدونات في تأليب الرأي العام، مستخلصة العبرة من الاحتجاجات التي شهدتها إيران بعد الانتخابات الرئاسية عام ‬2009، لذا عملت على حجب مواقع ومدونات وكأنها تتخوف مما هو قادم.

الفرحة التي شهدها العالم العربي بسقوط طاغية تونس، جعلت البعض يشعر بأن التصدع قادم وقد ينسحب على بعض الأنظمة التي لم تخلق الفارق في أوطانها، رغم السنين التي تعاقبت عليها وهي تحتكر السلطة الحكم، إلا أن العبرة ليست في نهايات الاستبداد، وإنما في الطريقة التي يعبر عنها أولئك المسيّرون الذين يفنون أعمارهم في حكومات تمتص دماءهم وتضيّع مكتسباتهم وتقتل أولادهم من الإملاق، فلا يكفي أن ينبري البعض من فوق المنابر الإعلامية للتعبير عن فرحتهم وغبطتهم بثورة الشعب التونسي، بينما يعيش وضعا ربما أسوأ من وضع التونسيين، ولكن أين قلب الرجل الواحد الذي يمكن أن يهبّ لقول لا؟

إن ما وجدناه في ثورة التونسيين السلمية، أنها ثورة قلب الرجل الواحد، لذا استهجن العالم أن تجابه هذه الثورة البيضاء بكم العنف الذي جوبهت به، فالشعوب حين تصل إلى مرحلة اليأس تنتحر، ولا تبعث الحياة إلا من الموت.

وكما قال أبوبكر الصديق (احرص على الموت، توهب لك الحياة)، لكنها ليست دعوة للانتحار، وإنما دعوة جهادية يمكن أن تنسحب ضد استمراء الظلم والفقر وشظف العيش، وربما هذا ما لا يفهمه البعض حين يأتي ليغرد خارج السرب وفي غمرة الإحساس بالنصر، فيرى أن التونسيين قد استعجلوا في تغيير رئيسهم الذي يجده من وجهة نظره الأفضل، فهل لنا الحق في مصادر ثورات الآخرين والاستخفاف بها؟ ومن يمنحنا هذا الحق ونحن نعيش في أبراجنا العاجية؟!

هنيئا للتونسيين ما فعلوه وقالوه حتى اللحظة، والمفارقة أيها العالم حين نقتل القتيل ونمشي في جنازته.