مثلما يحدث معكم جميعا، كما أتوقع، بعد أن أصبحت التكنولوجيا وسيلة تواصلنا الأولى، تواجهني كل يوم مشكلة إفراغ بريدي الإلكتروني من سيل الرسائل التي تنهمر عليه من جهات كثيرة، أعرف القليل منها، وأجهل أغلبها لأنها تستخدم أسماء وهمية أو رمزية يختلف الغرض من اتخاذها، يستقر بعضها في صندوق بريد الوارد، ويذهب الكثير منها إلى صندوق الرسائل المزعجة أو المهملة، وفق ما يصنفها مزودو خدمة البريد الإلكتروني.

والحق يقال، إن بعض هذه الرسائل مفيد يحمل أخبارا مهمة، وبعضها مسلٍّ يحمل طرائف تخفف من وطأة تلك الأخبار، كما تحمل مقالات لكتاب معروفين وزملاء لا يتيح لنا الوقت متابعة مقالاتهم، لذلك فإن عملية التخلص من هذه الرسائل تحتاج إلى تدقيق، كي لا يفوتنا شيء من السمين وسط الغث الكثير الذي تحمله.

من بين الرسائل التي وجدتها في بريدي الإلكتروني يوم الأول من يناير هذا العام، رسالة استوقفني عنوانها الذي يقول: «هل يجوز شرب كأس الماء بنفس واحد؟». اعتقدت للوهلة الأولى أن موضوع الرسالة طبي يتعلق بالجهاز التنفسي أو الهضمي في جسم الإنسان، لكنني فوجئت حين وجدتها تبدأ بحديث يروي فيه أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأبِنْ القدح عن فيك، ثم تنفس.

ثم تمضي الرسالة شارحةً فوائد الحديث، فتنقل عن الشيخ الألباني قوله بجواز الشرب بنفس واحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الرجل حين قال إني لا أروى من نفس واحد، وتنقل عن الحافظ بن حجر في «الفتح» أن مالك بن أنس استدل بهذا الحديث على جواز الشرب بنفس واحد، وعن عمر بن عبد العزيز قوله: إنما نُهي عن التنفس في الإناء، فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد. وتذهب الرسالة بعد ذلك إلى تفاصيل أكثر، حتى تصل إلى أن أهل العلم قد اتفقوا على كراهة أن يتنفس الشارب داخل إنائه.

توقفت أمام هذه الرسالة، ليس لغرابة موضوعها الذي ربما يبدو طبيعيا لطلاب العلوم الشرعية، وإنما لغرابة توقيت نشرها ووصولها إلى بريدي، وهي بالتأكيد قد وصلت إلى الكثيرين غيري، فقد كنت وقتها أتابع تفاصيل الأخبار المؤسفة التي كانت تتوالى من مصر، عن الانفجار الذي وقع في وقت متأخر من ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر أمام كنيسة «القديسين» في الإسكندرية.

وراح ضحيته ‬21 قتيلا من الإخوة المسيحيين الأقباط، أثناء مغادرة عدد كبير منهم الكنيسة بعد احتفال أقيم داخلها بمناسبة رأس السنة الميلادية، وأصيب العشرات من المسيحيين والمسلمين الذين كانوا موجودين بالقرب من الكنيسة لحظة وقوع الانفجار.

وكان من ردود فعله الأولى تجمع مئات المسيحيين الذين قام بعضهم برشق مسجد مواجه للكنيسة بالحجارة بعد الانفجار، وقيام بعض الشبان الغاضبين منهم بتحطيم عشرات السيارات التي كانت في المنطقة، وهم يرددون «بالروح بالدم نفديك يا صليب». الأمر الذي قابله تجمهر عدد من المسلمين على الجانب الآخر من الشارع، أمام المسجد الذي تهشم زجاج واجهته، وهم يهتفون: «بالروح بالدم نفديك يا إسلام»، مما ينبيء بفتنة طائفية جديدة، نحن ومصر العزيزة في غنى عنها.

كنت أتابع تطورات هذا الحدث المؤسف، عندما وجدت هذه الرسالة في بريدي الإلكتروني، والحقيقة أنني وقفت أمامها متأملا، لا باحثا عن صحة الأحاديث الواردة فيها.

فهذا علم له قواعده وأصوله، وله علماؤه الذين نجلهم ونحترمهم، لكنّ تفكيري انصبّ وقتها على ما يفكر فيه بعض المسلمين ويولونه أهمية في عصرنا هذا، إلى الدرجة التي يحرصون فيها على نشره عبر الرسائل الإلكترونية، وبين الواقع الذي نعيشه ويفرض علينا أن نخرج من دائرة الاختلاف حول مشروعية شرب كأس الماء بنفس واحد أم نفسين أم ثلاثة أنفاس، وحول حكم التنفس داخل الإناء أم خارجه، بينما الجو المحتقن حولنا يجعلنا نتجرع مياها مخلوطة بالدماء.

ونتنفس هواء ملوثا بدخان الحرائق التي يشعلها البعض ليقتلوا روح الرحمة والتسامح والإخاء بيننا، مسلمين ومسيحيين، وسنة وشيعة، وغيرها من التقسيمات الدينية والافتراقات الطائفية، التي أصبحنا نتناول كل يوم أرغفة خبزنا مغموسة فيها، فتتلوث بها دماؤنا وعقولنا وأرواحنا، وتتسمم بها أبداننا قبل أن تتناثر أبدان أولئك الذين يلفون أنفسهم بالأحزمة الناسفة، ويفجرونها في جموع الأبرياء الذاهبين لتأدية صلواتهم أو الخارجين من دور العبادة على اختلاف مسمياتها. وما حدث ويحدث في مصر والعراق وباكستان وإيران وغيرها من بقاع الأرض، خير شاهد على ذلك.

يثير هذا استغرابنا، ويدفعنا إلى التساؤل؛ كيف يجهد البعض أنفسهم في البحث عن مواضيع غريبة ربما تصلح لأزمنة غير زماننا؟ وكيف يهدرون أوقاتهم في نشرها وتوزيعها، بينما تموج أوطاننا وتغلي بكل هذه الفتن التي هي من صنع أيدينا وعقولنا التي انشغلت بمثل هذه الأمور الجانبية، وتركت أمورا مهمة هي من صلب عقيدتنا، حتى سالت كل هذه الدماء البريئة، وتفجرت كل هذه المشاعر البغيضة، وتزلزلت الأرض تحت أقدامنا التي لم تعد تعرف مواقعها؟!

ليس مهما كيف نشرب كأس الماء؛ بنفس واحد أو نفسين أو ثلاثة، ولكن المهم أن يكون الماء خاليا من الشوائب الفكرية والعقائدية والتعصب وتكفير الآخر، والاعتقاد بأن الطريق إلى الجنة مفروش بجثث وأشلاء ودماء الذين يختلفون معنا في المعتقد أو الملة أو الفكر. وليس مهما أن نتنفس في الإناء أو خارجه، لكن المهم أن نتنفس هواء نقيا لا تختلط به روائح الكراهية التي نشمها في خطابات الموتورين ورسائلهم وأفعالهم.

لقد أصبحنا نشعر بأننا نتنفس تحت الماء، وليس داخل الكأس الذي نشرب منه، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فسوف نغرق جميعا لأننا في سفينة واحدة، وعندما تغرق السفينة لا يفرق البحر بين مسلم ومسيحي، ولا سني وشيعي، فالجميع عند الموت سواء إذا حُمّ القضاء.