على أعتاب العام الجديد، كانت مصر على موعد مع «شر الإثم» الذي يعمل في العالم لنشر الأحقاد وبذر الفتنة بين الناس، حاصدا لأرواح الأبرياء الذين لا ذنب ولا جريرة لهم، سوى أنهم أرادوا الاحتفال بحلول العام الجديد بالصلاة والدعاء، ولم يدروا أن يد الإرهاب كانت رابضة لهم خلف الباب لتحولهم إلى أشلاء متناثرة.
جرى ما جرى في كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية، واتشحت مصر بألوان الحزن، رئيسا وحكومة وشعبا، أزهرا وكنيسة قبطية. ورغم الألم الذي يعتصر القلوب لفجاعة الحادث، إلا أن الأمر في حقيقته يحتاج إلى وقفة عقلانية، وقراءة منطقية لما يمكن أن يكون أبعد من المشهد الحزين الآني، ويتصل بمصر الأم والكيان الذي بات يواجه معضلة حقيقية، تتمثل في تهديد للعلاقة الكائنة عبر أربعة عشر قرنا بين أقباط مصر ومسلميها، حتى وإن لم تكن سخاء رخاء صفاء زلالا في كامل الأزمان ومدى العصور.
هل التعايش بين مسلمي مصر ومسيحييها على ما يرام؟ هذا هو حجر الزاوية في القضية.
ثم من يريد لهذا النموذج الحضاري الإنساني أن يشوه؟ وكيف لنا تاليا صد هذه الهجمات التي تريد العبث باستقرار مصر وأمنها وترويع شعبها؟ ولم إذا لم تعرف مصر تلك الإشكالية الطائفية في بدايات القرن الماضي؟
المؤكد أن الأزمة المجتمعية التي عاشتها مصر بعد هزيمة العام 1967، قد غيرت من التركيبة الذهنية والنفسية، وأيضا الدينية للمصريين، وبات انكسار الدولة يقابل بحالة هجرة إلى الهويات الدينية، ولم يقدر للدولة المصرية وقتها بلورة هوية وطنية واحدة جامعة مانعة لكل أطياف وأطراف المصريين.
أضف إلى ما تقدم أن هناك أزمات اجتماعية واقتصادية أدت إلى زيادة التعصب والاحتقان، ومع دخول أنساق فكرية مغايرة لطبيعة التفكير المصري من جراء هجرة المصريين المؤقتة إلى دول بعينها، طفت على السطح أزمة مجتمعية جعلت الفرز والتمييز والتعصب الديني عنصرا جديدا، لم يكن موجودا ضمن المنظومة القيمية للإنسان المصري.
والشاهد أنه منذ حادثة الخانكة، ومع أن تقريرا مهما عرف باسم صاحبه الدكتور العطيفي، قد شخص ووصف أبعاد المشكلة، فإن حوارا مجتمعيا مصريا بناء لمناقشة أزمة الطائفية، لم يأخذ مساره. وفي زخم الطائفية يطفو على السطح تساؤل حول دور الأطياف والأطراف الكارهة لمصر، والساعية إلى تفتيت كيانها المحوري في الشرق الأوسط.. ماذا عن ذلك؟
ربما سيتهمنا البعض من الليبراليين العرب، إن جاز التعبير، بأننا مهووسين ومهجوسين بفكر المؤامرة، غير أن واقع الحال يؤكد أنه إن لم يكن التاريخ بأكلمه مؤامرة، فإن المؤامرة موجودة أبدا ودوما في ثنايا التاريخ.
ويمكن القول بداية إن نظرية المؤامرة هي افتراض حدوث أحداث معينة دون وجود دليل، ف إذا وجد الدليل على حدوثها لم تعد نظرية مؤامرة، بل أصبحت وقائع. وحال تحليل المشهد بشكل أوفى، نجد أن هناك دولة بعينها في المنطقة لا تخفى على أحد، هي إسرائيل، تسعى لتفتيت المنطقة، وهذا هدف استراتيجي لها، أي تحويل المنطقة إلى دويلات ذات طابع طائفي وعرقي، يساعد على بقائها قائمة وقوية على من حولها.
هذا الحديث ليس رجما بالغيب، فمن يقرأ مذكرات وزير خارجية إسرائيل ورئيس وزرائها الأسبق «موشي شاريت»، يجد أنه يتحدث وباستفاضة عن المشروع الإسرائيلي لاستغلال موارنة لبنان لإقامة دولة مسيحية هناك، وكذلك دفع الأقباط لهدف مماثل، وإن كان يقر علانية بأن الأقباط بسبب تركيبتهم الاجتماعية، يستعصون على مثل هذه الاختراقات.. فهل تجيء حوادث مثل «مذبحة الإسكندرية» لتحقق لهم ذلك الهدف الجهنمي المنشود؟
بعيدا عن التنظير الفكري، يلزمنا الرجوع إلى ما قاله الجنرال «عاموس يادلين»، الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية «آمان»، منذ شهر خلال تسليم مهامه للجنرال «افيف كوفاخي»، من أن مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات الموساد و«آمان»، والعمل تطور فيها منذ عام 1979 وحتى الآن. وقد كان غريبا أن يعترف يادلين بتباهٍ، بأن الجهازين الإسرائيليين أحدثا اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية في أكثر من موقع في مصر، ونجحا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة ومنقسمة، لكي يعجز أي نظام عن معالجة هذه الانقسامات أو ذلك التخلف.
هل يفهم من هذا الحديث أن المؤامرات الخارجية هي السبب الرئيس والوحيد فقط لما يجري؟
نجافي وننافي الحقيقة إن قلنا ذلك، لأنه بدون طابور خامس مصري ــ وللأسف شديد ــ مخترق إيديولوجيا ودينيا، لا يمكن تنفيذ تلك السيناريوهات التفكيكية، وهؤلاء من ضعاف النفوس تجدهم في كافة المجتمعات البشرية شرقا وغربا، وما الجواسيس والعملاء إلا أسوأ مثال عليهم ولهم.
ما هو المطلوب الآن لدرء هذه الفتنة القاتلة؟
بعيدا عن الأفكار الرومانسية التي تخرج عادة كردود أفعال في مثل هذه المواقف، يبقى في تقدير كاتب هذه السطور أنه لا بد من عودة الانتماء العام المتبادل بين الدولة المصرية وبين مواطنيها، بكافة مللهم ونحلهم، فهو الطريق الذهبي لقطع السبل على انتشار الهويات الدينية المتناحرة في خنادق الطائفية المقيتة. وهذا الانتماء في حاجة إلى مشروع قومي يجمع كافة المصريين تحت جناحيه في مواجهة الطوفان، ويفرد اهتماماته على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، دون فرز أو تمييز، وبعيدا عن العزل والإقصاء ورفض الآخر.
مصر أمام منعطف تاريخي، فإما أن يضحى «الآخر هو الجحيم»، كما قال فيلسوف فرنسا الوجودي الكبير جان بول سارتر، وإما أن تعود شمس المودة تشع دفئاً وسلاماً على مصر في أوائل العقد الجديد من القرن الحادي والعشرين.. والخيار لمصر والمصريين في إطار من الأفعال السيادية المطلقة، مهما تآمر المتآمرون أو أرجف المرجفون.