بينما كانت الأجراس تدق احتفالا بعيد ميلاد نبي الله عيسى، بشير المحبة والسلام عليه السلام، وعندما انتصف الليل إيذانا ببداية العام الميلادي الجديد، وفيما كان المصلون يختتمون دعاءهم بأن يعيد الله هذا العام «وفي الناس المسرة وعلى الأرض السلام»، دوى انفجار كبير روع المصلين وأوقع العديد من الضحايا الأبرياء، واختلطت دماء المسيحيين والمسلمين المصريين بين قتيل وجريح، فبدد من الناس المسرة، وهدد على الأرض السلام!
ولا خلاف في أن هذا الاعتداء الإرهابي الذي وقع على مواطنين مصريين من المصلين الأبرياء لحظة خروجهم من كنيسة القديسين في الإسكندرية، والذي شكل صدمة مروعة، ليس للمصريين فقط المسلمين منهم قبل المسيحيين، بل ولكل العرب ولكل أصحاب الضمائر الإنسانية الحية في العالم، هو عمل إجرامي آثم تحرمه كل الشرائع والأديان، وتجرمه كل قيم وقوانين الإنسان.
لكن الخلاف هو حول ما إذا كان هذا العمل الإجرامي اللا إنساني من إنتاج دين، أي دين، بينما الإرهاب بقتل وترويع الأبرياء مدان من كل دين؟ أو هو من إنتاج فتنة طائفية قائمة بين أبناء دين ودين، بينما الهبة التلقائية للمواطنين المصريين رافعين المصاحف والأناجيل والهلال والصليب، في مسيرات تضامنية مشتركة في كل المدن المصرية، تنفي حالة الفتنة الطائفية وتظهر وحدة مشاعر الشعب المصري، تثبت أنها جريمة إرهابية فردية أو جماعية، داخلية أو خارجية، حاولت إنتاج الفتنة الطائفية، لا يجب أن نسمح لها أن تنجح؟..
وفي الوقت الذي توحدت فيه المشاعر بين كل المصريين، واصطفت القوى السياسية على اختلاف تياراتها استنكارا للإرهاب، فلقد توالت بيانات التضامن معهم والإدانة للجريمة من كل الأطياف الدينية الإسلامية الشيعية والسنية، سواء من جماعة الإخوان المسلمين في مصر والسودان، أو من حركة حماس في فلسطين أو من حزب الله في لبنان، ومن كل الأطراف السياسية العربية، تحذر المصريين من الوقوع في فخ الفتنة الطائفية أو الانقسامات السياسية، التي لا هدف لها سوى ضرب الوحدة الوطنية.
وهذا المخطط الذي يبدو أنه بالإرهاب وصل إلى مصر في محاولة لإشعال الفتنة الطائفية، هو ما جرى ويجري الآن على خلفيات طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية، في الصومال وفي السودان وفي اليمن وفي العراق وفي لبنان. وهنا لن نُسقِط أيا من الاحتمالات أو الفرضيات، ولن نَسقُط في دائرة توجيه الاتهامات الطائشة، وسوف نعتمد فقط في ما نرجح من فرضيات، على ما بين أيدينا من وقائع ثابتة، وتصريحات صهيونية وتهديدات إرهابية، في أوراق منشورة أو شرائط مسموعة.. أكدتها شخصيات سياسية وبرلمانية قبطية مصرية..
الفرضية الأولى، تنطلق من تهديد ما يسمى «دولة العراق الإسلامية» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، والمسؤولة عن الاعتداء الإرهابي على كنيسة «سيدة النجاة» العراقية، باستهداف الكنائس المصرية ما لم تقم الكنيسة المصرية بالإفراج عن زوجتي كاهنين مصريين، هما وفاء قسطنطين وكاميليا شحاته، تردد أنهما اعتنقتا الإسلام وتم احتجازهما داخل الكنيسة التي تنفي ذلك.
والفرضية الثانية، تؤكد تآمر إسرائيل لتوتير الاحتقان الطائفي في مصر، طبقا للتحقيقات التي نشرتها الصحف المصرية في قضية الجاسوس المصري الذي جنده الموساد، والتي كشفت عن محاولات قامت بها إسرائيل لزرع عملائها في جماعات دينية لاستخدامهم لاحقا في أعمال طائفية في مصر وبقية الدول العربية.. واتساقا مع مراجعة أجهزة التحقيق المصرية لمئات الإسرائيليين الذين دخلوا مصر لإحياء مولد «أبو حصيرة»، وقضوا يوما في الإسكندرية سبق الحادث بيومين!
وهنا يؤكد جمال أسعد، النائب المصري القبطي في مجلس الشعب، أن «مصر تتعرض لمخططات صهيونية تسعى لضرب استقرارها والنيل من الوحدة الوطنية بين أبناء شعبها»، محذرا من محاولات إسرائيلية مماثلة لاستغلال مناخ التوتر والاحتقان الطائفي والعرقي في بعض بلدان المنطقة، لتنفيذ مخططات تتعلق بتقسيم تلك الدول.
كما خرج على الملأ المحامي القبطي نبيل لوقا بباوي، وكيل لجنة الإعلام في مجلس الشورى المصري، ليتهم إسرائيل صراحة بالمسؤولية عن تفجير الكنيسة في الإسكندرية، قائلا في تصريحات لقناة «الجزيرة»، إن الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية قال في حفل توديع منصبه، إن إسرائيل تصرف ملايين الدولارات لإثارة التوترات الطائفية بين الأقباط والمسلمين في مصر، وإنها نجحت في ذلك. وهو ما نشرته الصحف العبرية والعربية حينذاك.
وهذا ما يدق أجراس الإنذار لكل الغافلين من العرب المسلمين والمسيحيين، الذين اختلطت دماؤهم من قبل في الكفاح المشترك لنيل الاستقلال ضد المستعمرين وعلى جبهات القتال العربية ضد الصهاينة المحتلين، بأن الجريمة الإرهابية هي مؤامرة ضد كل مصر العربية، وهي جزء من المؤامرة الدولية ضد كل الدول العربية، لإعادة رسم خرائط تقسيم الأمتين العربية والإسلامية، وفقا للمشروع الصهيو أميركي، عن طريق التفجير من الداخل بديلا عن العدوان عليها من الخارج، وذلك بإشعال الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية بأيدي أبنائها ومواطنيها.
ويبقى الحل لمواجهة محاولات زرع الفتنة الدينية، هو بإعلان دولة الحق والقانون، وباحترام الدستور وتأكيد الحريات والحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لجميع المواطنين بغير تمييز، وبسيادة القانون واحترام أحكام القضاء.
ولابد من إضاءة الأنوار لتبديد الظلام ومحاصرة التطرف الطائفي، ليس بإقصاء الدين عن دوره في توجيه الحياة، ولكن بملء الفراغ الديني لدى الشباب، بتمكين علماء الدين الكبار من الجانبين الإسلامي والمسيحي، من شرح صحيح الدين الداعي إلى الأخوة الإنسانية والعدالة والسلام، في المساجد والكنائس والمدارس والجامعات، وفي أجهزة الإعلام، وتأكيد حقيقة الأخوة بين الأنبياء والأديان، وبناء الوحدة الوطنية على أساس القواسم المشتركة.. حتى يبقى الدين لله والوطن للجميع.. ويبقي شعب مصر الكل في واحد.