كل شيء يشير إلى أن عطلة الميلاد ورأس السنة، ستنعم بهدوء واستقرار أمني وسياسي لبناني، في ظل ابتعاد المواعيد الحساسة المرتبطة بالمحكمة الدولية ومتفرعاتها، إلا أن ذلك لا يعني أن البلاد تجاوزت حتماً مرحلة الخطورة، ما دامت الأزمة مستمرة بجميع تداعياتها وانعكاساتها السلبية، على كل شؤون البلد ومؤسساته التي باتت معلقة حتى إشعار آخر. في هذا الإطار أكدت مصادر عربية مطلعة أن ضوءا أخضر إقليميا ودوليا، كان وراء دعوة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى انعقاد جلسة مجلس الوزراء أخيراً، لكن ذلك حصل قبل إتاحة الوقت اللازم للتوصل إلى مخرج لأزمة شهود الزور بين الأطراف المحليين.
هذه الإجازة الدولية الهادفة إلى إنعاش ولو نسبي لمؤسسة مجلس الوزراء، تأتي في إطار الحوار السعودي ــ السوري المستمر بزخم فرنسي إضافي. كما تأتي في إطار استبعاد الأطراف الدولية أي تصعيد مفاجئ على الصعيد الشرق أوسطي، حيث أن المفاوضات بين الدول الخمس زائد ألمانيا وإيران، ما زالت تحرز خطوات معقولة، فضلاً عن قيام واشنطن بإيفاد المبعوث الأميركي جورج ميشتل من جديد إلى المنطقة لاستئناف مفاوضات غير مباشرة، إضافة إلى الموقف الروسي الحاسم الذي أكده نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف، والداعم للاستقرار والعدالة في آن واحد.
لكن هذا الاطمئنان الحالي إلى متانة الجسر السعودي ـ السوري، قد لا يصمد طويلاً أمام أي منعطف قد يطرأ نتيجة صدور القرار الاتهامي قبل إنجاز التسوية السعودية ــ السورية بجميع بنودها وتفاصيلها.
في هذا الإطار أشارت مصادر مواكبة للمشاورات السورية ـ السعودية إلى أن مسألة توقيت الإعلان عن التسوية قبل أو بعد القرار الاتهامي، هي من المسائل العالقة التي لم تبت بعد بين سوريا والسعودية، مما يفسر التباطؤ في الإعلان عن نضوج التسوية، خصوصا أن «حزب الله» يرفض المحكمة أصلا ويرفض قرارها أيا يكن، مشككاً في صدقيته وسلامة أسانيده وخلوه من شبهة الفبركة الأميركية الإسرائيلية.
وما تخشاه هذه الأوساط الإقليمية، هو أن تسرع إسرائيل في الاستفادة من التباطؤ في التسوية السورية السعودية، وانعدام أية جاهزية لبنانية داخلية لاستقبال هذه التسوية العربية، فتعمد إلى تحريك الجبهة الجنوبية أو القيام باعتداءات جوية خاطفة وصاعقة على مناطق متفرقة من لبنان.
لذلك تؤكد هذه الأوساط على الضرورة القصوى لاستعادة جسور التواصل بين القوى السياسية اللبنانية، التي لم تعد تتخاطب سوى من خلال البيانات والتصريحات الإعلامية، في ظل انقطاع كامل للتواصل بين الرئيس سعد الحريري وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، يستكمل انقطاعاً مماثلا في الصلات بين الحريري والرئاسة السورية.
وتضيف هذه الأوساط أن ضرورة استئناف الحوار نابعة من ضرورة عدم الوقوع في المحظور، الذي تحدث عنه وزير الخارجية البريطاني وليم هينغ، حين أعرب عن قلقه من حدوث «أعمال عنف» في الشهر المقبل، فنحن «قلقون بشأن لبنان لأن السودان ولبنان سيكونان في الشهر المقبل مرشحين لأن يشهدا أزمة سياسية أو اندلاع أعمال عنف». بعد خروج العاهل السعودي الملك عبد الله من المستشفى الذي عولج فيه أخيراً، عادت التكهنات والسيناريوهات والأسئلة تطرح بقوة في الوسط السياسي.
هل خرجت معادلة الـ«س ـ س» بدورها معافاة وقابلة للتحرك، خصوصا مع الاقتراب المتزايد لموعد صدور القرار الاتهامي المنتظر حول المسؤولية عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
هل تتغلب العلاقة الملتبسة بين الولايات المتحدة وإيران (أ-أ)، على علاقة «السين سين» فتخطف منها الأضواء أم يبقى الجسر السعودي ـ السوري صامدا رغم التحديات؟
ما معنى الامعان الإيراني في رفض المحكمة واعتبارها أداة تحركها واشنطن في وجه المقاومة، رغم وضوح الموقف السوري الذي يوافق على المحكمة في حال كانت مستندة إلى أدلة «صلبة» و«قاطعة»؟
هل تصح التسريحات الأميركية (مقال السفير جون بولتون) القائلة إن الاتهام سيصيب رموزاً بارزة في الهرمية السياسية السورية، ورموزا أخرى في حزب الله وأن الاتهام بات وشيكا جداً؟
فما هي عناصر التباين في الموقفين السوري والسعودي التي تؤخر الإعلان عن التسوية التي طال انتظارها؟
مصادر متابعة للمحادثات السرية الجارية، تشير إلى نقاط تباين عديدة:
أولاً؛ تصر سوريا، ومعها «حزب الله» باعتباره القاطرة الرئيسية لتكتل 8 آذار، على أن يعلن الرئيس سعد الحريري تبرؤه سلفاً من القرار الظني، ويعمد إلى سحب موافقة لبنان الرسمية على المحاكمة الدولية من خلال إيقاف دفع حصة لبنان للسنة المقبلة، باعتبار أن لبنان سدد متوجباته للسنة الجديدة (1102)، كما تطالب سوريا وحلفاؤها بأن يسحب لبنان موافقته على إقامة المحكمة، ويطالب باسترداد الاتفاق الموقع مع مجلس الأمن الدولي، باعتبار أنه لم يحظ بموافقة رئيس الجمهورية.
ثانياً؛ تطالب سوريا وحلفاؤها بأن تخلو الحكومة المقبلة من أي تمثيل سياسي للقوات اللبنانية ورئيسها الدكتور سمير جعجع، وأن يعيد الرئيس الحريري النظر في الجهاز السياسي والأمني المحيط أو الموالي له (ضباط كبار في قوى الأمن الداخلي)، إضافة إلى اللواء أشرف ريفي.
في مقابل هذه المطالب التي يرى فيها البعض استسلاما كاملا من الرئيس الحريري أمام حملة سوريا «وحزب الله» على المحكمة، تعهد الطرف السوري بالموافقة على بقاء الرئيس الحريري رئيسا لمجلس الوزراء وانتظام عقد جلساته، وجلسات هيئة الحوار الوطني التي يرأسها الرئيس ميشال سليمان.
وفي مقابل «رضوخ» الحريري لهذه المطالب السورية، تستأنف دمشق استقبال الحريري في «قصر المهاجرين» بعد انقطاع نحو 3 أشهر. كما يوافق السيد حسن نصر الله على عقد اجتماع مصالحة مع الرئيس الحريري، يكون فاتحة أمام تنسيق واسع بين تيار المستقبل «وحزب الله».
طبعا، يتعهد الطرف السوري وحليفه اللبناني بعدم الإخلال بالأمن أو الاحتكام إلى السلاح، أو الانسحاب من جلسات مجلس الوزراء، ما تفقده شرعيته الدستورية الميثاقية. عندما شاع في بيروت أن مطالب سوريا و«حزب الله» تقارب دفع الرئيس الحريري إلى الاستسلام أمام خصومه، وإلى نعي مسبق للمحكمة الدولية ورفض قراراتها قبل صدورها، عاد الوضع إلى المراوحة ودخول جلسة الانتظار.
فهل تصح هذه الشروط المنسوبة إلى السوريين؟ أم أن مزيدا من التفاوض السعودي ـ السوري سيفضي إلى تعديل في هذه الشروط وفتح الطريق أمام تسوية متوازنة لا غالب فيها ولا مغلوب؟