الملاحظ أن هناك تركيزا مبالغا فيه، من قبل جهات ومنظمات حقوقية دولية ومن قبل وسائل إعلام عالمية، على ما يحدث في دولة الإمارات بصورة خاصة ومجتمعات الخليج عموما. ربما لأننا حققنا في فترة قياسية ما عجز البعض عن تحقيقه في دهر، وربما لأننا سخرنا البترول وموارده لرفاهية الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، بغض النظر عن كونه مواطنا أو وافدا، وربما لأن الله قد حبانا بنعمة الأمن والأمان فاستثمرنا ذلك لخدمة الإنسان. وطال هذا التركيز أو النقد أوجه التنمية المختلفة؛ الاقتصادية والاجتماعية والحضارية، حتى خيل لنا أن مجتمعاتنا هي على الدوام تحت المجهر العالمي، وسوف نظل كذلك إلى ما شاء الله.
ومن أهم صفات هذا التركيز أنه ليس دوما تركيزا محايدا إيجابيا، فهو يتعمد أحيانا رصد نقاط الضعف قبل القوة، والإشارة إلى السلبيات قبل الإيجابيات، وإبراز الظواهر السيئة قبل الحميدة، والوجه السلبي للمنجز قبل الوجه الحضاري. بل نكاد أحيانا نحس من خلال تقاريرهم وأحاديثهم وآرائهم المعلنة، بنبرة فيها نوع من التشفي والتقليل من شأن هذا المنجز أو ذاك، حتى لو كان هذا المنجز هو الأول والأكبر والأهم، وكأن الإنجازات الإيجابية مقصورة على الآخر، وأنه ليس من حقنا أن نضيف شيئا ماديا أو معنويا إلى إسهامات الآخرين للحضارة الإنسانية! ويكاد يصبح موقفهم هذا أكثر صعوبة وتعقيدا، حين يتم التعامل أو التركيز على الجوانب الإنسانية والحضارية في مجتمعاتنا، فيتم إظهارها بصورة فيها الكثير من المادية واللهاث وراء المظهر، والتقليل من جهد الآخرين، خاصة العمالة الوافدة والانتقاص من حقوقها الإنسانية والقانونية، واستغلالها في البناء والتعمير دون أن نقدرها حق قدرها. ويظهر ذلك من خلال تقارير المنظمات الدولية وتلك المعنية بحقوق الإنسان، حيث يتم تضخيم المعلومة قليلة الأهمية وتكبير الصغيرة، فيوصف إنهاء الخدمات بأنه طرد تعسفي، ويضخم عدد المفصولين من 200 إلى 2000 عامل.
ورغم إشارتها سنويا إلى جهود دول الخليج في رفع المعاناة عن العمالة الوافدة، إلا أن تقارير تلك المؤسسات تركز دائما على وضع تلك العمالة «السيئ»، مشيرة إلى تهميشها اجتماعيا وعدم إنصافها اقتصاديا. ويستغل بعض وسائل الإعلام هذه المعلومات غير المحايدة، لكي تسيء لنا بطريقة فيها الكثير من الانحياز وفقدان الشفافية.
هذا الموقف من جانب المنظمات الدولية وبعض وسائل الإعلام، يطرح أكثر من تساؤل عن الأسباب التي تدعو تلك الجهات إلى التمادي في اتخاذ مثل هذا الموقف، رغم أننا دول قد فتحت ذراعيها دون أي تمييز، لكافة الأعراق والطوائف والجنسيات لكي تأتي وتعيش بيننا في تسامح وتناغم، دون أي تمييز ضد أحد. وأعطت التشريعات القانونية الجديدة للعمالة الوافدة حقوقا قد لا تنالها في موطنها الأصلي، ليس لإرضاء المنظمات الدولية، وإنما لأن ديننا الإسلامي يحث على المساواة والعدالة وعدم التفريط في حقوق الآخرين، تماما كما يحثنا على التسامح ونبذ التطرف أو التمييز ضد الآخر، مهما كانت خلفيته أو دينه.
إذاً، ما هو السبب في ذلك التمادي؟ هل لأننا شعوب ومجتمعات تعودت على مسامحة الآخر مهما كثرت أخطاؤه وزلاته؟ أم أن السبب يكمن في أننا دوما نقف أمام الآخر كالتلميذ الصغير نتلقى التوبيخ واللوم ونعرض أنفسنا لجلد الذات بصورة دائمة لإرضاء الآخر، حتى ولو كان على حساب أنفسنا؟
رغم أننا دائما نصف «الآخر»، ونقصد به هنا الغرب، بأنه مسؤول ومشهود له بالنزاهة والحيادية وقول الحق، إلا أنه يبدو أنه يتخلى عن هذه الصفات حينما يأتي الحديث عن مجتمعات الخليج بصفة خاصة. فكل خطوة تخطوها دول الخليج تفسر بأنها خطوة صغيرة في مشوار لا يزال طويلا، وكل منجز حضاري هو هامشي أو مستورد، وكل إجراء قانوني أو حقوقي هو بطيء في طريق سريع. ويبدأ في نبش قضايا عنصرية وأخرى مثيرة للجدل.
فلماذا يتجاهل الغرب التمكين السياسي في دول كثيرة ويركز على الخليج؟ ولماذا يتجاهل الغرب حقوق ملايين العمال المحرومين في دول العالم، ويركز على حقوق العمال في مجتمعات الخليج؟ ولماذا يتجاهل حقوق ملايين الأطفال المشردين والجياع والمحرومين من نعمة التعليم والصحة في دول العالم الثالث، ويركز على فئة أطفال «الركبية» مثلاً؟ ولماذ يتجاهل حقوق النساء المحرومات والمهمشات في دول كثيرة، ويركز على حقوق المرأة في الخليج؟!
لقد بدأت دول الخليج نهضة شاملة وبعزيمة قوية وسياسة ثابتة، ورغبة حقيقية لتوظيف موارد البترول لرخاء شعوبها وتعويضها عن فترة الكفاف التي عاشتها. لذا فإنها مقتنعة بأن تلك الموارد هي في واقع الأمر مسخرة لخدمة الإنسان أولاً، وما المنجزات الحضارية التي شيدتها يد الإنسان في بلداننا إلا لرفاهية الإنسان.
ولم تنس دول الخليج كذلك مسؤولياتها الخارجية وواجباتها تجاه المجتمع الدولي. فقامت هذه الدول، حتى قبل نيلها لاستقلالها، بتخصيص جزء من ميزانياتها السنوية للمساعدات الخارجية. فمدت يدها إلى كل محتاج في الدول الفقيرة والمنكوبة، وفتحت ذراعيها لاستقبال ملايين أخرى من البشر لكي تعيش في ربوعها وتستمتع كمواطنيها بمجتمع الوفرة، وتستظل تحت شجرة أمنها وأمانها متمتعة بكافة حقوقها وامتيازاتها. وهي ما فعلت ذلك إلا لإرضاء نزعة الخير الذي جبلت عليه، ولأن دينها الإسلامي الحنيف يحثها على التواصل الخير بين البشر، ولأن تلك العادات هي جزء من تراثها البدوي الصحراوي الأصيل.
إن دول الخليج لم تسلم من النقد الموجه لها من قبل بعض المنظمات الحقوقية الدولية وبعض وسائل الإعلام الخارجية، لأن دول الخليج ماضية في سياستها الداخلية والخارجية بعزم وإصرار، ورغبة صادقة وأكيدة في التنمية المستدامة التي تفيدها وتفيد الآخرين. أما تلك الجهات ووسائل الإعلام المعنية، فهي لم تستطع أن تنسى أننا دول حديثة سياسيا، وقوية اقتصاديا، ومتماسكة اجتماعيا، وبارزة عالميا، وهي صفات جميعها تجعل دول الخليج كالشجرة التي إن رميتها سقطت عليك ثمارها، وإن جلست تحتها تفيأت بظلها. فلا غرو أن توضع دول الخليج على الدوام تحت المجهر، وتصبح كل خطوة من خطواتها محسوبة لها وعليها، وكل منجز حضاري تسجله هو سبق في عالم يتطلع كل يوم إلى مزيد من الإثارة والتشويق.
جامعة الإمارات