لم يكن يبحث عن منصب كبير، ولا يطرق باباً رفيعاً، بل كان يريد وظيفة بسيطة، ظل شاغرها أشهراً طويلة، تكفيه ليعيد ترتيب حياته بعد سنوات من الدراسة والعمل المتقطع.
دخل المقابلة الأولى بثقة هادئة، قدّم خبرته وشهاداته، أجاب بوضوح، وخرج وهو يسمع منهم كلمة تبعث على الأمل: ممتاز، نراك قريباً.
مرّت أيام، ثم جاء اتصال ثانٍ، مقابلة جديدة مع مدير آخر، حديث واثق وابتسامة مطمئنة، ثم مديح مشابه للأول: كنت رائعاً.
تكرر المشهد مرة ثالثة ثم رابعة، وكان يخرج من كل مقابلة أكثر أملاً بأنه بات قريباً من الوظيفة، وأن الأمر أصبح مسألة وقت. لكن الحقيقة كانت تقبع في مكتب آخر، عند شخص لا يحسم القرار، ويتركه رهين التردد. وكان أقسى ما في الأمر هو الانتظار: أن يبقى معلّقاً بين وعد يتجدد، وقرار لا يأتي.
وبعد أربعة أشهر من الأمل المعلّق، جاء الرد أخيراً: أنت مناسب، ولكننا ما زلنا نبحث عن الأفضل.
ظلّ الشاغر شاغراً، وبقي هو عاطلاً، وبقي القرار معلّقاً.. وهنا تبدأ الفكرة ولا تنتهي المشكلة.
فحين تتوافر سياسات واضحة، وموازنات مرصودة، ومواطنون مستوفون للشروط، ولا تنافس يبرّر التأجيل، لا تعود المسألة اختياراً، بقدر ما هي تقدير للوقت والأثر والمسؤولية.
غير أن بعض من بيده القرار يرون في التأجيل تأنياً وربما حياداً، ولا يدركون أن عدم اتخاذ القرار هو قرار بذاته، له تبعات قد تفوق القرار الخاطئ أثراً.
وما التوطين إلا مثال، فالأمر يتكرر في التمكين، وفي حقوق أقرتها الأنظمة قد تتعطل دون مبرر سوى غياب الحكمة لدى من لا يدركون أن للقرار وقتاً، وأن لعدم اتخاذه مآلات أيضاً.
ليس المطلوب التساهل ولا تجاوز المعايير، بل الحسم حين تكتمل الصورة. فالتأجيل قد يعطّل ما هو صالح، ويترك المنافع قائمة على الورق، فيما تتآكل آثارها في الواقع، فلا يخسر الفرد وحده، بل يخسر النظام توازنه، وتخسر السياسات مقصدها.
إن أخطر ما في القرار المؤجَّل، أن أثره يتجاوز حدوده، ولا تتكشف مآلاته إلا في الأزمات وضيق الخيارات، حين تمسّ نتائجه استقرار الناس وتوازن الوطن.
وفيما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في رسالته الأخيرة إلى فريق عمله ما يختصر الفكرة: «قرار جيد تأخذه اليوم، أفضل من قرار مثالي تأخذه الشهر القادم».