هل فكرنا يوماً في الأثر الذي تتركه زيارة بيت قديم في نفوسنا، أو في شعور أحد كبار السن حين يسمع أهزوجة عرفها في طفولته، أو تعود يداه إلى حرفة مارسها قبل عقود؟

تجمع الإنسان بالأماكن والأصوات والممارسات التي شكلت حياته علاقة تستحق البحث، وقد بدأت دراسات حديثة تتناول قدرة البيئات التاريخية والأنشطة التراثية على دعم الرفاه النفسي وتعزيز الانتماء، وتدعو للتأمل في تراثنا الإماراتي.

استوقفتني دراسة نشرتها مجلة BMC Public Health في سبتمبر 2025، تناولت أثر التراث العمراني والمشهد الثقافي في الصحة النفسية، اعتماداً على مراجعة منهجية، وتركيب نوعي لثلاثين دراسة. واقترح الباحثون نموذج الشفاء التراثي، وحددوا ثلاثة مسارات محتملة للتأثير:

الخصائص المريحة للطبيعة والبيئة، والممارسات الروحية والدينية، والعلاقات الاجتماعية والهوية الثقافية. وتمنحنا الدراسة إطاراً لفهم العلاقة بين التراث وجودة الحياة، مع التمييز بين التفسير والنتائج العلاجية المثبتة.

ومن موقعي كوني باحثة في التاريخ الاجتماعي أجد في هذه الفكرة فرصة لإعادة قراءة ممارسات عرفها مجتمع الإمارات، فقد ارتبط الإنسان ببيئته عبر أجيال، وكان للمجلس والحرفة والشعر والحكاية الشعبية حضور في الحياة ونقل المعرفة، ويمكن دراسة أثر المشاركة في هذه الممارسات على التواصل والراحة النفسية والشعور بالانتماء، وكيف تتفاعل الذاكرة الشخصية مع ذاكرة المجتمع.

لنتخيل رجلاً مسناً يسمع في مجلس قصيدة نبطية، تعيد إليه أشخاصاً وأماكن عرفها، فيبدأ الحديث عن تجاربه، أو امرأة تعود إلى ممارسة السدو، وتنقل مهارتها إلى فتاة تتعلم منها. تثير هذه المشاهد أسئلة عن استعادة الذكريات والإحساس بالقيمة الشخصية والعلاقات بين الأجيال، وهي أمثلة تصلح لدراسات ميدانية، دون افتراض أثر موحد.

وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة Time and Mind عام 2025 تناول باحثون روايات 31 مشاركاً في مواقع طبيعية وثقافية، واقترحوا مفهوم علم الآثار العلاجي، ووصفوا مساراً سردياً يبدأ بالوصول إلى المكان، ثم تكوين اتصال وجداني به، وبلوغ نقطة تحول في فهم التجربة.

وصولاً إلى الشعور بالاتصال أو الفهم أو التعافي، ثم إدماج التجربة في المعنى الشخصي بعد المغادرة، ويستحق هذا التصور الاختبار بوصفه قراءة نوعية.

وأعتقد أن الواحات والأحياء التاريخية والمواقع الأثرية والمتاحف الإماراتية توفر مجالاً ثرياً لهذا البحث، فالواحة تحمل تاريخ العلاقة بين الإنسان والماء والزراعة والاستقرار، وتكشف البيوت القديمة تفاصيل العيش والعلاقات الأسرية، ويمكن دراسة ما يشعر به الزوار أثناء وجودهم في هذه الأماكن، واختلاف تجاربهم بحسب العمر والخلفية والارتباط بالموقع.

وقد وجدت مثالاً تطبيقياً في المشروع البريطاني، المتاحف بوصفة اجتماعية، الذي نفذه باحثون من جامعة كوليدج لندن وشركاؤهم، بمشاركة كبار سن معرضين للعزلة في أنشطة متحفية منظمة، وأظهرت التقييمات تحسناً في بعض مؤشرات الرفاه النفسي المرتبطة بالجلسات، فيما بقيت نتائج مؤشرات أخرى أقل حسماً، وتوضح التجربة أهمية تصميم البرامج وفق احتياجات المشاركين وقياس نتائجها قبل إصدار أحكام عن فوائدها الصحية.

تمتلك الإمارات موارد تراثية، تتيح تطوير دراسات تطبيقية تجمع المؤسسات الثقافية والجامعات والجهات المعنية بالصحة وجودة الحياة، وأتصور برنامجاً يشارك فيه كبار السن بانتظام في ورش للحرف التقليدية، مع توثيق خبراتهم وإشراك الشباب في تعلمها، ثم قياس أثر المشاركة في التواصل والانتماء والرفاه النفسي، ويمكن اختبار زيارات موجهة إلى المواقع التاريخية، أو جلسات للشعر والحكايات الشعبية، مع مراعاة احتياجات المشاركين وظروفهم.

ويحتاج هذا التوجه إلى تعاون، يقدم فيه المختصون بالتراث المعرفة بالموروث وأصحابه، ويشارك الباحثون والجهات الصحية في اختيار الفئات وأدوات التقييم، وتحديد حدود التدخل، فالأنشطة الداعمة لجودة الحياة تختلف عن العلاجات الطبية، التي تتطلب أدلة سريرية وإشرافاً متخصصاً، وأرى أن نتائج البحوث المحلية هي الأساس الذي ينبغي أن تُبنى عليه برامج مستقبلية.

وأفكر أيضاً في أصحاب التراث أنفسهم. اعتدنا النظر إلى كبار السن بوصفهم شهوداً على الماضي، ومصادر للمعلومات التاريخية، لكن ماذا يشعر الحرفي حين يرى مهارته موضع اهتمام؟ وكيف تتغير تجربة المرأة المسنة عندما تجد من يصغي إلى حكايتها ويتعلم منها؟

وهل تسهم المشاركة في نقل المعرفة في تخفيف العزلة وتعزيز الإحساس بالدور الاجتماعي؟ إنها أسئلة تضيف إلى مشروعات صون التراث بعداً إنسانياً جديراً بالدراسة.

أرى في التراث المُعافى دعوة إلى توسيع البحث في العلاقة بين صون الموروث وحياة الناس الذين يحملونه ويتفاعلون معه، وفرصة لدراسات إماراتية، تجمع التاريخ الاجتماعي بالصحة العامة، وربما يجدر بنا بعد زيارة متحف أو موقع تاريخي، أو مجلس يجمع الأجيال حول حكاية قديمة، أن نسأل:

ماذا أضافت هذه التجربة إلى معرفة الإنسان بنفسه وصلته بالآخرين؟ ففي الإجابة قد نكتشف قيمة إنسانية أخرى لتراثنا، وأسباباً جديدة للعناية به.