يحبس العالم أنفاسه بينما يشهد انتخابات محورية في دول عدة. جرت العادة أن تهتم الشعوب بانتخاباتها، وبرامج مرشحيها، وتوجهات أحزابها، لأنها تحدد مستقبل سياساتها ومصائر أحلامها وطموحاتها وتحقيق مطالبها.. أما أن ينتقل هذا الاهتمام لانتخابات دول أخرى، لا بدافع حب الاستطلاع أو هواية المتابعة أو غواية السياسة، ولكن بغرض توقع مصائرها، بحسب ما ستؤول إليه نتائج انتخابات هذه الدول الأخرى، فهذا أمر فريد.
انتخابات برلمانية مبكرة في صربيا محفوفة بمخاطر انتقال عدوى الاحتجاجات التي بدأت طلابية في فرنسا ثم تحول جانب منها إلى نهب وتدمير، وهو ما وضع التحركات الشبابية في موضع الشبهات والاتهامات، وزادت الصراعات السياسية بين قوى اليمين واليسار تعقيداً وخطورة، لا في فرنسا فقط، ولكن في سائر أوروبا التي يسير العديد من دولها صوب اليمين المتطرف، ومنها من سار بالفعل.
ورغم أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية مقرر لها الانعقاد في أبريل المقبل، إلا أن ما يجري من عنف وفوضى غير مسبوقين في الشارع الفرنسي، واتهامات لليسار وسياسات الهجرة وغيرها ستلقي بظلال كثيرة على مصير فرنسا الرئاسي، في أجواء تتسم بتراجع شديد للتيار الوسطي التقليدي، ومعالم إخفاق لليسار، وفرص تمدد وتوسع ووصول اليمين المتطرف للحكم متوفرة ومتصاعدة. هذا الاحتمال القوي سيؤثر على سائر أوروبا، ومصير «الناتو»، وبالطبع علاقة أوروبا بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
انتخابات رئاسية في بلغاريا تهمين عليها آثار الهجمات الروسية وضربات الطائرات المسيّرة في منطقة البحر الأسود، وانتقادات عديدة تختلط بالحملات الانتخابية لضعف رد الفعل البلغاري، وهو ما يضع المرشحين تحت ضغوط سياسية هائلة.
جولة الإعادة في الانتخابات البرازيلية تضع البرازيل أمام مفترق طرق سياسي وجيوسياسي واقتصادي غير مسبوق، بين يسار يمثله الرئيس لولا دا سيلفا، ويمين محافظ يمثل منافسه فلابيو بولسونارو، وما ستؤدي إليه النتائج من انعكاسات على علاقة البرازيل بالعالم، بين يسار يميل إلى تعزيز القطب الجنوبي العالمي، والتعددية في العلاقات الخارجية، ودعم «بريكس»، أو يمين يتحالف أيديولوجياً مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبالطبع أنظار العالم، لا سيما العالم العربي، موجهة ومركزة ومثبتة على الانتخابات الإسرائيلية التي تجري في أجواء غير مسبوقة من الحروب والصراعات والاحتقانات والتحولات الكبرى.. ورغم أنه لا يتوقع أن تسفر النتائج، وتغيير الوجه أو استمراره، عن تغيرات كبرى فيما يتعلق بإيران، والعديد من الملفات الأمنية أبرزها اللبنانية والسورية، ودائماً وأبداً القضية الفلسطينية.
الانتخابات الإسرائيلية الأولى منذ عملية السابع من أكتوبر 2023 يتوقع ألا تؤدي إلى تغيرات جذرية في السياسات الخارجية والأمنية الإسرائيلية، ربما فقط مزيد من الصرامة والحدة والتضييق الأمني، أو قدر بسيط من كبح جماح عنف المستوطنين أو تنظيم هذا العنف بشكل ما. ورغم ذلك، أنظارنا موجهة صوب هذه الانتخابات التي ستؤثر على تشكيل قواعد الأمن الإقليمي، وزيادة أو ثبات زعزعة استقرار الدول المجاورة وغيرها من دول المنطقة، بالإضافة إلى تحديد مصير حقوق الأقلية العربية في الداخل.
أما انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، فالجميع يترقبها وهو يعلم علم اليقين أنها لن تحسم فقط معركة السيطرة على الكونغرس، أو تقيم شعبية الرئيس ترامب وأدائه، ولكنها ستؤثر بشكل مباشر على مجريات العالم، وفي القلب منه الشرق الأوسط المشتعل.. فبين ميزانيات الدفاع التي يقررها الكونغرس، إلى قرارات التدخلات العسكرية خارج أمريكا، والسياسات السياسية والعسكرية فيما يختص بإيران، وكذلك الحوثيون، وغيرها من بؤر الصراع ذات العلاقة بإسرائيل وأمنها في المنطقة، وبالطبع مصير ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وما يترتب على كل ما سبق في المنطقة، يراقب الجميع وينتظر بفارغ الصبر ما ستؤول إليه انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وكأنها انتخاباته، وكأنها نتائجه. ورغم أن عبارة «العالم قرية صغيرة» تستخدم لوصف تقارب المسافات بين الدول والبشر بفعل التطورات التقنية والعصر الرقمي وأدواته، إلا أنها لم تكن يوماً أكثر حقيقة وواقعية مما هي عليه الآن.
الآن، ما علينا سوى الانتظار والترقب.