إن الأُخوَّة التي تجمع أبناء الخليج العربي نعمة عظيمة، ورصيد تاريخي وإنساني ثمين، توارثته الأجيال عبر القرون، وتَرسَّخ في النفوس، فما يجمعهم أواصر راسخة وروابط وشيجة، دين واحد، ووشائج قربى ممتدة، وقيم أصيلة، ومصالح متلاقية، ومصير مشترك، حتى أصبحت هذه المنطقة بيتاً كبيراً يجمع أهلها، تتآلف فيه القلوب، وتتلاقى فيه الآمال، وتتكامل فيه الطموحات، ومن هنا جاءت الرسالة المؤثرة التي وجهها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى أبناء الخليج، حاملة معاني عميقة في الوفاء للتاريخ، وصون الأخوة، واستشراف المستقبل.

لقد استحضر سموه في رسالته الجذور الراسخة التي جمعت أهل الخليج منذ أزمان بعيدة، حين كانت البحار ميداناً لسعيهم ورزقهم، والصحراء فضاءً لحياتهم وتَنقُّلهم، وكانت الأسر تتواصل، والقرابات تمتد، والأفراح والأتراح تجمع القريب والبعيد، فتَشكَّل عبر هذه المسيرة نسيج اجتماعي متين حفظته المودة والوفاء وحسن الجوار، وقد بقيت هذه الصلات حية رغم تطور المدن واتساع العمران وقيام الدول الحديثة، فمن يتأمل حياة الأسر الخليجية يجد روابط ممتدة بين البُلدان، وذكريات مشتركة يتناقلها الآباء والأبناء، وعادات وتقاليد متقاربة تعكس أصالة هذا الانتماء وعمق جذوره.

وإن من أجمل ما في هذه الرسالة استحضارها رحلة التحول الحضاري الكبير الذي عاشته دول الخليج، فقد كانت حياة الأجداد تقوم على الكفاح والصبر في طلب الرزق، ثم فتحت لهم العزائم الصادقة آفاق النهضة والتنمية، فشُيدت المدن الحديثة، وامتدت الموانئ والمطارات، وقامت المؤسسات الكبرى، واتسعت مجالات التجارة والاستثمار والمعرفة، حتى أصبح الخليج حاضراً بقوة في حركة الاقتصاد العالمي، وإن هذه المسيرة المشرقة تُذكّر الأجيال بعظمة ما بذله الآباء والأجداد، وما يقتضيه ذلك من واجب المحافظة على المنجزات ومضاعفتها.

وقد لفت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى معنى بالغ الأهمية في هذه النهضة، وهو بناء الإنسان الخليجي الذي حمل قيمه وهويته معه وهو يخوض ميادين الانفتاح على العالم، فالتطور المادي يزداد بهاءً حين تحرسه الأخلاق الأصيلة، وحين يبقى الإنسان معتزاً بدينه ولغته وأسرته ووطنه، منفتحاً على الآخرين بروح التسامح والاحترام والتعايش، وهذه الخصائص الحضارية أسهمت في أن تكون مجتمعات الخليج بيئات آمنة مستقرة، تستقطب أصحاب الخبرات والطاقات، وتجمع جنسيات وثقافات متعددة على العمل والبناء، في بيئة تصون كرامتهم وتعزز فرصهم في حياة كريمة ومستقبل مشرق.

وفي خضم هذه الإنجازات جاءت رسالة سموه لتنبه إلى تحدٍّ يستوجب اليقظة والحكمة، وهو ما قد تثيره بعض المنصات الرقمية والحسابات المغرضة من خلافات ومشاحنات بين أبناء الخليج، فتتحول عبارة مجتزأة إلى مادة للتأليب، ويسري مقطع مجهول في آلاف الحسابات، وتتضخم بعض المواقف العابرة حتى تُقدَّم للناس في صورة خلاف واسع، وقد عبّر سموه عن ذلك بقوله: «لن تجمعنا ساحات الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام».

إن مواجهة هذه الممارسات تبدأ من الوعي الفردي والمسؤولية المجتمعية، ومن هنا تتأكد أهمية التثبت من الأخبار، ومعرفة سياقاتها، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وحسن اختيار العبارات، والابتعاد عن التعميم والإساءات، مع إدراك أن تعدد الآراء وتباين وجهات النظر أمر يمكن التعامل معه بالحوار والاحترام والحكمة.

ومن المعاني الجوهرية التي أبرزتها رسالة سموه أن التقارب الخليجي قوة عظيمة لصناعة المستقبل، فدول الخليج تمتلك من الثروات والمواقع الاستراتيجية والكفاءات البشرية والتجارب التنموية ما يجعل تكامل جهودها باباً واسعاً للريادة والتميز، ولقد قدمت دولة الإمارات نموذجاً مضيئاً لهذه الحقيقة منذ قيام اتحادها المبارك، حين تلاقت إرادة الإمارات السبع على غاية واحدة، واجتمعت عزائم الآباء المؤسسين، على بناء وطن قوي متلاحم، فكانت ثمرة هذه الوحدة دولة تمتلك مؤسسات راسخة، وبنية تحتية متقدمة، واقتصاداً متنوعاً، ومنظومة تنموية تجعل الإنسان محور اهتمامها، حتى أصبحت التجربة الإماراتية شاهداً حياً على أن اجتماع الإرادات وتكامل الجهود قادران على تحويل الآمال الكبرى إلى منجزات يلمسها الناس في أمنهم وتعليمهم واستقرارهم وجودة حياتهم.

إن رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى أبناء الخليج وثيقة أخوة ووفاء، ودعوة حكيمة إلى الوعي والتقارب والعمل المشترك، تستحضر جذور التاريخ لتؤكد مسؤولية الحاضر، وتستنهض همم الأجيال لصناعة مستقبل رائد مشرق.