حين يتدخل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، برسالة موجهة إلى مواطني دول مجلس التعاون الخليجي للحفاظ على مكتسباتهم الوحدوية، فإنه يدق ناقوس الخطر، ويعبر عن قلقه مما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي الخليجية.

الرسالة جاءت من زعيم خبر تفاصيل العمل الخليجي المشترك من بدايته، وعاصر الزعماء المؤسسين لهذا الكيان السياسي الأنجح عربياً، وبالتالي، فهو يدرك تماماً ما تصنعه الانفعالات الإعلامية من تداعيات على ما يجمع أبناء المنطقة من وشائج القربي والصلة التاريخية والجغرافية، وحتى المصالح المشتركة.

الإعلام وسيلة مهمة في ترسيخ التعاون والتكامل والبناء بين الأمم، وهو ما حصل في المراحل الأولى لبناء القصة التنموية الخليجية، ولكنه أيضاً وسيلة خطيرة عندما تتحول كـ«لعبة سياسية»، يُساء استخدامها من البعض، ما لم يتم التدخل لإيقاف المهاترات، لأنها تشوش على العمل الجماعي، وتخرب العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد.

لذا، لا يمكن إلقاء اللوم على الإعلام كوسيلة، بقدر أن مستخدميها هم من يسيئون توظيفها، وبالتالي، من طبيعة البشر أن النظام والقانون هو من يضبط سلوكياتهم، حتى ولو كانوا على درجة من الثقافة، فبمجرد أنه وجد ثغرة، فإنه قد يستخدمها وينتهك المحظورات، ويتخطى كل الخطوط الحمراء، وقد رأينا ذلك أكثر من مرة، بل أحياناً وصل بنا الأمر إلى الاعتقاد أن هنا سياسة غض الطرف نتيجة للتهاون في بعض التجاوزات.

وذَكّرَ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الخليجيين في رسالته التي بثها يوم الاثنين الماضي، بالكثير من تفاصيل الخصال التي تجمع أبناء الخليج من تاريخ وجغرافيا، والآمال المشتركة، وحتى الأنساب والدم، وهو ما يفترض أن يكون الجدار أو السد العاطفي لكل من يفكر في تجاوز القيم الخليجية في الحوار، أقلها المساس بالرموز.. بل إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ومن تكملة الصورة، لم ينسَ أن يستعرض المتغيرات الجديدة في العلاقات الدولية، مثل المصالح الاقتصادية بين هذه الدول التي أبهرت العالم بقصصها التنموية، وعلى رأسها الاستقرار والأمن، باعتبار أن الحكومات في وقتنا الحاضر تعمل على ترسيخ مفاهيم التكامل والتشارك، وليس الهدم والتفريق، وأن الأولى للدول الخليجية أن تفعل ذلك.. لأنه من غير المعقول لأمة تمتلك كل هذه الروابط الإنسانية والمصلحية، وتسمح لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن يفرقوهم.

المناوشات ظاهرة إعلامية موجودة منذ زمن، إنما خروج تلك المناوشات عن أدب الحوار الخليجي، والقيم الاجتماعية لمجتمع تربي على الأخلاق، وكذلك شيطنة الشقيق، فيها ما يؤكد أنها مرتبطة سياسياً مع بعض أصحاب المصالح والأغراض الهدامة، سواءً كانوا تنظيمات أو غيرها، ممن لا يرون في هذا التجمع الخليجي الناجح إلا تهديداً لهم، وبالتالي، وجب من أبناء الخليج الانتباه إلى ما يُحاك لهم، وعدم الانسياق.. فالذي لم يخطر على بال أكبر المتشائمين الخليجيين، أن تصل لغة الإعلام الخليجي المتبادل إلى هذه الدرجة من التفاهة وقلة الاحترام، حتى إنه لم يترك خطاً أحمر يقفون أمامه، فلم يتم احترام الرموز السياسية، ولا حتى الدينية بين أبناء كيان سياسي، مَثّل يوماً ما أملاً في أن تستنسخ بقية شعوب العالم قيم الخليجيين في تقدير مكانة قادتهم.

الاختلافات لا يمكن إلغاؤها (كما ذكر سموه في رسالته)، وإنما المطلوب إدارتها، لأن تأجيجها وأخذها بعيداً عن المصلحة الكبرى للوحدة الخليجية، فيه من قصر النظر لما يجمع هذه الدول في الكثير من المجالات، وكذلك في التحديات المستقبلية التي تحتاج إلى العمل الخليجي الجماعي، فنحن لم ندخل التحديات الكبرى بعد، فهناك، كما يبدو، حراك استراتيجي كبير في المنطقة والعالم.

الفحوى الكاملة لرسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى أبناء الخليج، أن التصدي للمهاترات الإعلامية الخليجية، هو من أوجب الأمور، لأنها تمثل تهديداً للأمن الخليجي بكامله.. كما ينبغي عدم التهوين من شأنها، فهي أكبر من أن تكون عفوية.