بين هذين الخبرين نقضي أيامنا، نفتح هواتفنا فنجد مضيق هرمز مفتوحاً، ونغلقها قليلاً ثم نعود إليها لنجده مغلقاً. الولايات المتحدة تقول إنها تتحكم في حركة العبور، وإيران تتمسك بأنها صاحبة القرار.

وفي التصريحات المتداولة تؤكد واشنطن أن النفط يعبر، بينما تقول طهران إن نقطة نفط واحدة لا تعبر إلا بموافقتها.. أما نحن الذين نعيش على ضفاف هذا القلق، فنحاول أن نفهم كيف يمكن لممر واحد أن يكون مفتوحاً ومغلقاً في الوقت نفسه.

ربما لم تعد المشكلة في المضيق وحده، وإنما في المسافة التي اتسعت بين الكلمات ومعانيها. كنا نفهم أن المفتوح هو الذي نستطيع المرور منه، وأن المغلق هو الذي يمنعنا من العبور.

اليوم يبدو أن لكل طرف قاموسه الخاص، يفتح المضيق في تصريح، ويغلقه في تصريح آخر، وتبقى السفن مطالبة بأن تختبر بنفسها أي القاموسين أقرب إلى الحقيقة، وأي الخبرين تستطيع أن تأتمنه على أرواح بحارتها وحمولتها.

حين تكون الحرب دائرة، تصبح اللغة جزءاً من أسلحتها. إعلان الفتح يحمل رسالة عن القدرة على تأمين الملاحة، وإعلان الإغلاق يحمل رسالة عن القدرة على تعطيلها.. وبين الرسالتين يريد كل طرف أن يقنع العالم بأنه يمسك بالمفتاح.

وهناك فرق بين أن تقول إن الطريق مفتوح، وأن يشعر الناس بالأمان وهم يسلكونه. وقد تتحرك سفينة في الممر بينما تتردد سفن أخرى في الاقتراب منه..

لذلك فإن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة يتجاوز عبارة «مفتوح أم مغلق» إلى أسئلة أكثر عمن يعبر، وتحت أي شروط، وبأي كلفة، وما الضمانات التي تحمي العابرين.

هذه الأسئلة لا تجد دائماً مكانها في العناوين العاجلة.. العنوان يريد كلمتين حاسمتين، والشاشة تريد خبراً يلفت الانتباه، والمنصات تريد تفاعلاً سريعاً.. أما التفاصيل فتحتاج إلى وقت وصبر ومصادر يمكن التحقق منها.. وهكذا نتحول من دون أن نشعر، إلى متلقين لسباق التصريحات، نحفظ ما قاله هذا الطرف وما رد به الطرف الآخر، لكننا لا نعرف على وجه اليقين ماذا يحدث فوق الماء.

لعل أكثر ما يرهق الإنسان في هذه الحال أنه لا يملك ترف الابتعاد عن الأخبار.. يقول لنفسه إنه سيتوقف عن متابعتها، ثم يعود بعد دقائق.. نحن في الخليج لا نتابع خريطة بعيدة، وإنما نتابع ممراً يتصل بحياتنا واقتصاداتنا وأمن منطقتنا..

وكل تصريح عنه يفتح في داخلنا باباً من الأسئلة، حتى لو حاولنا أن نواصل أعمالنا اليومية وكأن شيئاً لم يحدث.. فعلى ضفتي هذا القلق دول وشعوب لها مصالح وحقوق ومستقبل.. ليست المنطقة مساحة فارغة يتبادل فوقها الآخرون رسائل القوة، وليست حياة أهلها هامشاً في نشرات الأخبار.

كلفة الحيرة لا تتوقف عند حدود الخليج.. حين يرتبك طريق التجارة تمتد آثاره إلى المصنع والمزرعة والمتجر وميزانية الأسرة..

وقد لا يعرف إنسان يعيش على بعد آلاف الكيلومترات موقع هرمز على الخريطة، لكنه يشعر به حين يدفع ثمن الوقود أو الغذاء.. بهذه الطريقة يصبح الممر البحري الضيق حاضراً في حياة أناس لم يروه، ولم يتخيلوا يوماً أن يرتبط رزقهم بمياهه.. إنها نظرية «تأثير الفراشة» التي صاغها إدوارد لورنز قبل أكثر من ستة عقود.

هنا تتضاعف مسؤولية الإعلام.. نقل التصريح ضرورة، لكن تقديمه بوصفه حقيقة مكتملة يحتاج إلى دليل. على الخبر أن يوضح صاحبه وتوقيته وحدوده، وأن يميز بين الادعاء وما ثبت حدوثه..

فالمتلقي لا يحتاج إلى مضاعفة ارتباكه، وإنما إلى معلومات تساعده على الفهم. نحتاج أيضاً إلى أن نمنح أنفسنا مهلة قبل تصديق كل إشعار أو إعادة نشره..

ليست كل عبارة جازمة دليلاً، ولا كل خبر عاجل صورة كاملة. من حقنا أن نسأل، وأن ننتظر وأن نبحث عما يؤكد القول في الواقع.. فالحيرة التي نشعر بها اليوم تكشف حاجتنا إلى معرفة موثوقة، وإلى خطاب يتعامل معنا باعتبارنا بشراً تتأثر حياتهم بما يسمعون.

تم فتح المضيق.. تم إغلاق المضيق!.. ستظل العبارتان تتناوبان على شاشاتنا ما دام كل طرف يريد أن يجعل من الممر شاهداً على قوته.. لكن الناس ينتظرون خبراً مختلفاً، هو أن تعبر السفن بأمان، وأن يستعيد البحر وظيفته طريقاً للتواصل والرزق، وأن نستطيع فتح هواتفنا وإغلاقها مطمئنين.