أخطر ما يمكن أن يحدث للخليج أن يعتاد أبناؤه الإساءة إلى بعضهم، ثم يسمّوا ذلك دفاعاً عن أوطانهم. أن تصبح إهانة شعب موقفاً، والطعن في تاريخه رأياً، والتشكيك في منجزه دليلاً على الولاء، عندها تتجاوز الخسارة حدود سجال عابر؛ لأنها تصيب المعنى الذي عاش به أهل هذه المنطقة، وعرفوا من خلاله أنفسهم وجيرانهم.
من هنا أقرأ «رسالة إلى أبناء الخليج» لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، دعوة إلى استعادة الوعي بحجم ما يجمعنا، وبالمسؤولية التي يفرضها هذا الانتماء، فالرسالة تضعنا أمام سؤال يستحق أن يبقى حاضراً: كيف نحمي علاقة صنعتها أجيال، من انفعال قد تصنعه شاشة؟
للخليج ذاكرة أقدم من المنصات، وأعمق من اللغة التي تحاول اختصاره في خلاف: رحلات حملت الرزق والأخبار، ومجالس عرفت وجوه القادمين قبل أن تسأل عن وجهتهم. وفي هذه الذاكرة، كان الجار جزءاً من الطمأنينة، وكانت عودة الغائب فرحاً يتسع لأكثر من بيت.
وتأتي قوة الرسالة من أنها تمنح هذا التاريخ وظيفة في الحاضر. فالقرابة مسؤولية، والجوار التزام، والمصير المشترك يحتاج إلى من يحرسه حين ترتفع الأصوات، وتضيق مساحة التعقل. أما استدعاء الروابط في المناسبات، ثم تركها مكشوفة أمام أول موجة إساءة، فيجعلها كلمات جميلة بلا أثر.
لقد بنى أبناء الخليج أوطاناً يعتزون بها، ومن حق كل واحد منهم أن يدافع عن وطنه، وأن يفخر بقيادته ومنجزه وتجربته، لكن هذا الاعتزاز يفقد شيئاً من نُبله حين يحتاج إلى الانتقاص من الآخرين.
وما قيمة خطاب يرفع اسم الوطن، ثم يحمّله تبعات إساءة لم تصدر عنه، ويزرع باسمه جرحاً في نفوس أقرب الناس إليه؟
هنا تبرز مسؤولية المثقف والإعلامي والكاتب، فالكلمة المنشورة تستطيع أن تمنح الخلاف حجماً أكبر من حقيقته، وأن تحوّل موقفاً فردياً إلى تهمة جماعية.
وبين حساب يكتب، ومنصة تضخّم، وجمهور يعيد النشر، قد يُختزل شعب كامل في عبارة مستفزة، وهذه إحدى أخطر صور الظلم: أن يُطلب من الملايين دفع ثمن ما قاله شخص واحد.
ولهذا، فإن عمق الرسالة يحمّل أصحاب الكلمة واجباً يتجاوز الدعوة العامة إلى المحبة: واجب التثبت، ورفض التعميم، والتمييز بين النقد والإهانة، وبين الموقف وأسلوب التعبير عنه. فالكاتب الذي يعرف أثر كلمته، يعرف أيضاً أن بعض العبارات تبقى في النفوس بعد انتهاء أسبابها، وأن إصلاح العلاقة أصعب من إفسادها.
وفي تناول الاختلاف، تبلغ الرسالة مستوى مهماً من النضج، فالتعاون الخليجي يحتاج إلى قدرة على إدارة التباين، وإلى مؤسسات تحفظ استمرارية العمل حين تتعدد الرؤى. لكل دولة خصوصيتها وأولوياتها وتجربتها، ويمكن لهذا التنوع أن يوسّع فرص المنطقة حين تحكمه الثقة، ويضبطه إدراك واضح للمصالح المشتركة.
ومن هذا الإدراك تبدأ قراءة المستقبل. فما بناه الخليج من مدن وموانئ ومؤسسات ومراكز معرفة، يفرض مسؤولية مضاعفة تجاه استقراره.
وراء كل منجز أعوام من العمل، ووراء كل فرصة شاب ينتظر أن يجد مكانه، وأسرة تريد الاطمئنان إلى الغد. هؤلاء يستحقون خطاباً يحمي فرصهم، ويزيد قدرتهم على التعاون، ويمنحهم أسباباً جديدة للأمل.
وأرى أن أبلغ ما تستنهضه الرسالة فينا هو أن نتصرف بحجم ما نملك، وبحجم ما نريد أن نصبح، فمن يطمح إلى التأثير في مستقبل العالم، عليه أن يمتلك الحكمة في علاقته بجاره، وأن يعرف متى تكون الكلمة جسراً، ومتى تتحول إلى عبء على وطنه ومنطقته.
الخليج لا تسعه خصومة؛ لأن فيه من التاريخ والقرابة والعمل والأحلام ما يتجاوز أعمار الخلافات. وحماية هذا المعنى تبدأ من موقف شخصي واضح: أن أعتز بوطني، وأصون كرامة أهلي في الخليج، وأدرك أن الكلمة التي أكتبها اليوم قد يقرأ فيها أبناؤنا غداً مقدار وعينا بما يجمعنا