لم تأتِ من فراغ استراتيجية دبي للذهب التي اعتمدها سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، رئيس اللجنة العليا لتطوير القطاع الاقتصادي والمالي، خلال اجتماع اللجنة مؤخراً، الذي استعرض أحدث مؤشرات أداء القطاعين الاقتصادي والمالي في دبي.
ذلك أن دبي، وعلى مدار العقود الماضية، وفّرت البنية التحتية الملائمة لصناعة ذهب مزدهرة تعبر عنها الأرقام أنصع تعبير حين نجد أن حصة دبي من الذهب المتداول عالمياً بلغت 15%، بينما تجاوزت قيمة التجارة الخارجية للذهب في دبي خلال العام الماضي 2025 حاجز التريليون درهم بنمو بلغ 60% عن العام الذي سبقه.
وصناعة الذهب عالمياً صناعة ذات معايير رفيعة وعالية وتتطلب مستويات دقيقة من ضبط الجودة والرقابة النوعية، إضافة إلى التغطية التشريعية التي تضمن لها أن تعمل في مساحة آمنة مأمونة.
من هنا لم يكن غريباً أن تبدي هذه الصناعة كل هذا الاهتمام بدبي، وعلى الأخص مع إجراءات حوكمة أساسية وسباقة مثل إطلاق معيار الإمارات للتسليم الجيد وتأسيس لجنة سوق السبائك الإماراتية عام 2021، وصولاً إلى إطلاق حي دبي للذهب عام 2026، الذي يضم أكثر من ألف تاجر؛ الأمر الذي عكس التطور المتواصل للبنية المؤسسية والتنظيمية لقطاع صناعة الذهب في دبي.
ولم تكتفِ دبي بموقعها الجغرافي كحلقة وصل رئيسية بين مصادر إمداد السبائك في أفريقيا وآسيا الوسطى من جهة، وأسواق الطلب الرئيسية في الهند والصين وغيرها من الأسواق العالمية من جهة أخرى، على أهمية ذلك، وإنما أضافت إليه مصفوفة متكاملة من الإجراءات تغطي مختلف مراحل سلسلة القيمة، من التوريد والتكرير والتداول إلى الحفظ والتمويل والتسعير والترميز الرقمي والتجزئة.
وغني عن البيان أن ذلك كله يأتي منسجماً مع الأهداف الستة التي أفصحت عنها استراتيجية دبي للذهب والتي تهدف إلى تحويل دبي إلى مركز جذب عالمي لصناعة الذهب وتجارته جملة وتجزئة.
فالتوجه الأول وهو تطوير سوق عالمي متكامل لتجارة الذهب، يبني على ما هو متحقق أصلا في دبي التي نجحت في تأسيس صناعة واعدة للذهب من خلال مركز دبي للسلع المتعددة، وحي دبي للذهب والأسس التشريعية والتنظيمية الخاصة بالصناعة.
بينما يستفيد التوجه الثاني من مكانة دبي كمركز مالي عالمي تحتضن كبريات المؤسسات المالية العالمية لتعزيز مكانة الإمارة مركزاً عالمياً لتمويل الذهب، من خلال دراسة فرص التمويل والمقاصة والضمانات والتحوط والتداول المؤسسي المرتبط بالذهب.
وفي الوقت الذي سجلت دبي بمداد من ذهب موقعها كواحدة من أفضل مدن العالم أمناً وأماناً، يبني التوجه الثالث على ذلك ليعمل على تحويلها إلى مركز موثوق ومحايد لحفظ الذهب، وذلك من خلال تعزيز قدرات الحفظ الآمن للأصول المؤسسية والسيادية.
ويتكامل ذلك مع التوجه الرابع الذي يركز على تعزيز تنافسية الذهب المتداول عبر دبي من خلال تطوير معايير التتبع والشفافية والممارسات المتقدمة لضمان أعلى مستويات الجودة والموثوقية.
واستكمالاً لمسار التحول إلى سوق عالمية، يهدف التوجه الخامس من توجهات استراتيجية دبي للذهب إلى دعم دور الإمارة في استكشاف وقيادة سعر الذهب عبر دراسة أدوات ومنصات تستفيد من عمق السوق والسيولة.
ويبني التوجه السادس على ذلك كله بتعزيز مكانة دبي وجهة عالمية للمجوهرات والطلب النهائي على المصوغات الذهبية، بما يدعم تجارة التجزئة والطلب الاستهلاكي ويرفع جاذبية السوق للتجار والمستثمرين.
وفي الوقت الذي تطلق دبي استراتيجيتها الواعدة لصناعة الذهب، تأتي المؤشرات الاقتصادية المختلفة التي درستها اللجنة العليا لتطوير القطاع الاقتصادي والمالي لتقدم قراءة إيجابية متقدمة للواقع الاقتصادي والمالي في دبي؛ وهو ما ينبئ بشكل واضح بتهيئة السوق واستعداده وجاذبيته لصناعة الذهب والتوسع فيها وصولاً إلى تحويل دبي إلى مركز عالمي لهذه الصناعة في مستوياتها المختلفة.