بينما نتابع أخبار الممرات المهددة، والصراعات غير المنتهية، تتحرك في العالم تجارة أخرى تتسع بسرعة: الرقائق الإلكترونية والخوادم والمعدات التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

المقارنة تستحق التأمل، لأن مستقبل الاقتصادات يتشكل أثناء انشغالنا بأزمات الماضي. ولا ينتظر من يستثمر في المعرفة أن ننتهي من خصوماتنا.. لكل تأجيل عندنا فرصة يقتنصها الآخر، ولكل شاب نحبطه، مؤسسة بعيدة قد تعرف قيمة ما يستطيع تقديمه.

في الثامن من أكتوبر الجاري، نقلت وكالة رويترز عن منظمة التجارة العالمية، أن تجارة المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قفزت بنسبة 67 % على أساس سنوي..

وقد ساعد الطلب عليها في تعويض جانب من اضطرابات التجارة الناجمة عن الحروب.. الرقم يتعلق بتجارة هذه المنتجات، لا بنمو الاقتصاد العالمي كله، لكنه يكشف الاتجاه الذي تتجمع فيه الأموال والمهارات والفرص الجديدة.

أرى أن الخبر يحمل سؤالاً سياسياً يتجاوز التقنية.. كيف ينجح جزء من العالم في توسيع نشاطه، بينما تنشغل منطقتنا بحسابات الماضي؟..

هناك دول تحسن اختيار أولوياتها، وتمنح الباحث والمعلم وصاحب المشروع فرصة للعمل.. وهناك قوى تجعل المجتمع في تعبئة دائمة، وتستدعي معارك التاريخ لتبرير إهدار الحاضر.. والفارق يظهر لاحقاً في فرص العمل، ومستوى المعرفة، وقدرة الدولة على حماية استقلال قرارها.

والعنوان هنا لا يختزل العرب في حالة واحدة.. في الخليج محاولات جادة لبناء اقتصادات أكثر تنوعاً، واستثمارات في التقنيات الحديثة والجامعات والخدمات.. وفي بلدان عربية أخرى كفاءات تعمل رغم الظروف الصعبة.. لذلك يزعجني التعميم الذي يساوي بين من يبني ومن يعطل البناء.

ولا أعتقد أن شراء أجهزة متقدمة يكفي لدخول المستقبل.. يمكن للدولة أن تنفق بسخاء على مبنى ومعدات، ثم تكتشف أنها لم تصلح المدرسة التي تعد العاملين، ولم تمنح الجامعة حرية البحث، ولم تهيئ الإدارة للتعامل مع الفكرة الجديدة..

التقنية المستوردة تصبح أكثر فائدة، عندما تجد معرفة محلية قادرة على استخدامها وتطويرها، وهنا أهمية رأس المال البشري.

لنأخذ مثالاً قريباً، تستطيع أداة جيدة أن تساعد شركة صغيرة على إدارة مخزونها، أو تختصر إجراء يستهلك وقت المراجع، أو تعيّن معلماً على إعداد مادة مناسبة لطلابه..

هذه استخدامات يمكن قياس فائدتها، ومن هنا تبدأ سياسة جادة: مشكلة محددة، وتجربة قابلة للتقييم، ثم توسيع ما ينجح.. لسنا مضطرين إلى انتظار اختراع ينافس العالم كله كي ننتفع بالمعرفة.. لكننا نحتاج إلى إدارة تتقبل الاختبار، وتعترف بالخطأ، وتكافئ النتيجة أكثر من مظهر النشاط.

وفي المقابل، فإن حماس التقنية يحتاج إلى عقل نقدي، قد تبالغ الشركات في الوعود، وقد تهدر أموالاً عامة في مشروعات ضعيفة الجدوى.. التنمية تتطلب فهماً لما نشتريه، وقدرة على التفاوض بشأنه، وتقييماً لما يضيفه فعلاً. لا أريد أن نستبدل الانبهار بالشعار السياسي، بانبهار مشابه بالشعار التقني..

كلاهما يصبح مكلفاً.. الكلفة الأكبر للحروب الدائرة، تظهر أيضاً في ما لم يحدث.. مصنع لم يُبنَ، وباحث لم يعد، وشركة ناشئة اختارت التسجيل خارج المنطقة. هذه خسائر لا نراها، لكنها تضيق احتمالات المستقبل.

المجتمعات لا تتقدم لمجرد أنها تتقن العودة إلى نقطة البداية بعد كل جولة من الصراع.. من هنا، يصبح الدفاع عن الاستقرار في منطقتنا موقفاً تنموياً وأخلاقياً.

من حق الناس أن يعيشوا خارج حالة الطوارئ المستمرة، وأن يخططوا لتعليم أبنائهم وأعمالهم.. كما أن التعاون العربي يستطيع أن يجمع التمويل والخبرة والأسواق، إذا انتقل من البيانات إلى برامج قابلة للتنفيذ.

أفضّل مشروعاً مشتركاً يفتح مجالاً لمئات الباحثين، على خطاب طويل عن أمجاد المعرفة القديمة. احترام ما أنجزه الأجداد يكون بإضافة معرفة نافعة، لا بتكرار أسمائهم كلما عجزنا عن تقديم إنجاز معاصر.

المطلوب أن تتغير أسئلتنا اليومية: ماذا تعلم طلابنا؟ ما العقبات التي أزلناها أمام المنتج؟.. وكيف نحافظ على الكفاءة التي أعددناها؟.. هذه أسئلة تستحق مكاناً متقدماً في النقاش العام، بدلاً من الدوران في استدعاء مشكلات الماضي!