وقد وجدت في كتابه الجديد «الرسائل» امتداداً لهذه الرؤية التي تمنح الكتابة مكانة خاصة في حياة القائد، وتجعل من الخبرة الشخصية مادة يستطيع الآخرون العودة إليها والتعلم منها.
ولعل الرسالة التي وجهها سموه إلى والدته، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، تفتح أمام الباحث في التاريخ الاجتماعي باباً يستحق التأمل في قيمة الشهادات الشخصية، وما تستطيع أن تضيفه إلى معرفتنا بالماضي.
وتزداد أهمية هذه الشهادات حين تصدر عن شخصية عاشت تحولات تاريخية واسعة، وكانت لها مشاركة مباشرة في صناعة بعض أحداثها.
فحين ندرس مرحلة من تاريخ مدينة، نحتاج إلى معرفة طبيعة الحياة التي كانت تجري في بيوتها، وكيف نشأ أبناؤها، وما المعارف التي انتقلت إليهم، وما المسؤوليات التي اضطلعت بها النساء والرجال في محيطهم الاجتماعي.
وتكتسب دراسة الأسر التي عاصرت التحولات الكبرى أهمية إضافية حين تتوافر عنها شهادات تسمح بفهم العلاقة بين التجربة الشخصية والظروف التاريخية المحيطة بها.
فقد نشأ أبناء الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، والشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، في مرحلة شهدت دبي خلالها تغيرات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، ثم شارك عدد منهم في إدارة شؤون الإمارة والدولة.
ويمكن لدراسة هذه المرحلة أن تتناول ما عرفته الأسرة من قيم وأساليب تربية وتوقعات تجاه الأبناء، وكيف تفاعلت تلك العناصر مع التعليم والخبرة العملية والظروف السياسية والاقتصادية التي أحاطت بنشأتهم.
وقد تساعدنا الشهادات الشخصية على فهم بعض هذه الجوانب، خاصة عندما تتناول سنوات الطفولة والتنشئة والعلاقات الأسرية والتجارب المبكرة التي بقيت مؤثرة في أصحابها.
ويقتضي العمل العلمي التعامل مع الشهادة باعتباره مصدراً يعبر عن تجربة صاحبها ورؤيته، ثم دراستها في ضوء ما يتوافر من مصادر مستقلة. وقد يكتشف الباحث من خلال هذه المقارنات تفاصيل تؤكد بعض الوقائع، أو تفسر ظروفها، أو تكشف جوانب إضافية من الحياة الاجتماعية التي أحاطت بها.
وتتطلب دراستها معرفة ظروف كتابتها وتاريخها وطبيعة أحداثها.. كما ينبغي الانتباه إلى أن الذاكرة تستعيد الماضي من موقع الحاضر، وقد تمنح الأحداث معاني مختلفة عما كانت عليه وقت وقوعها، وهو ما يجعل الشهادة الشخصية مصدراً غنياً للتحليل التاريخي.
فكم من شهادة ما زالت تنتظر من يسجلها، وكم من وثيقة تحتفظ بها أسرة دون أن تعرف ما يمكن أن تضيفه إلى تاريخ مجتمعها، وكم من تجربة عاشها إنسان ثم رحلت معه تفاصيلها.
ولعل من أجمل ما نستطيع أن نتعلمه من مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن نمنح هذه الذاكرة ما تستحقه من عناية، وأن نترك للأجيال المقبلة ما يساعدها على معرفة الحياة التي عاشها من سبقوهم، وفهم الطريق الذي أوصل الإمارات إلى حاضرها.