ليست كل الأبواب التي تفتح باسم الحرية تقود إلى الحرية.. أحياناً يدخل منها من يحمل مشروعاً لإغلاقها بعدما يكون قد استفاد من اتساعها، واحتمى بالقوانين التي تحرسها.. وهذه إحدى المفارقات التي تواجه المجتمعات الديمقراطية، كيف تحمي حق الإنسان في التعبير والتنظيم، وتحمي نفسها، في الوقت ذاته، من تنظيمات ترى في هذه الحقوق وسيلة للتمكين، وليست قيماً تؤمن بها وتلتزمها.
التحرك الأخير للبرلمان الأوروبي تجاه نفوذ جماعة الإخوان وشبكاتها يضعنا أمام هذه المفارقة.. فقد أقر البرلمان، بأغلبية 381 صوتاً، مقابل معارضة 167 صوتاً، وامتناع 15 عن التصويت، قراراً غير ملزم يدعو إلى استراتيجية لمواجهة التغلغل، ومراجعة التمويل والعلاقات بالمؤسسات الأوروبية.
التمييز هنا ضروري بين قرار يطالب بإجراءات وتصنيف قانوني نافذ، فالخطوة تعكس تحولاً سياسياً، لكنها لا تعني أن الاتحاد الأوروبي أدرج الجماعة بالفعل على قائمته الإرهابية.. ومع ذلك، فإن أهمية الخطوة تتجاوز طبيعتها الإجرائية..
إنها تطرح سؤالاً تأخر طرحه بالجدية المطلوبة حول ما إذا كان يكفي جمعية أن ترفع شعار الحوار، أو تتحدث مؤسسة باسم الاندماج كي تعفى من التدقيق في أهدافها ومصادر تمويلها وصلاتها التنظيمية، وهل تصبح الواجهة المدنية شهادة براءة دائمة تمنع السؤال عما يجري خلفها، أو تجعل من يسأل موضع اتهام.
في تقديري يكمن جانب من المشكلة في الاطمئنان إلى الأسماء.. فالكلمات الجميلة تملك قدرة على تهدئة الشكوك، خصوصاً حين تتصل بالشباب والتعليم والعمل الخيري وحقوق الأقليات.. وهذه كلها مجالات يحتاج إليها المجتمع، ويجب دعمها.. لكن الحاجة إلى العمل المدني لا تلغي ضرورة مساءلته، كما أن احترام التدين لا يمنح أي تنظيم سياسي حصانة من القانون أو النقد.
التغلغل الذي يناقشه الأوروبيون لا يفهم من خلال البحث عن مشهد صاخب وحده.. فالنفوذ قد يتراكم بهدوء عبر بناء العلاقات وتقديم الخدمات والوصول إلى مواقع التأثير.. هنا تصبح مراقبة المال وشفافية الإدارة ومعرفة المستفيد النهائي، أدوات أساسية لحماية المجال العام، وقد شددت كتلة حزب الشعب الأوروبي على ضرورة تتبع التمويل الأوروبي، مع الفصل الواضح بين الإسلام ديناً والإسلام السياسي أيديولوجيا.
هذا الفصل هو حجر الأساس في أي مواجهة عادلة وفعالة.. فالمسلم الذي يعيش في أوروبا ويعمل ويحترم القانون ويؤدي شعائره له الحق في الأمن والكرامة مثل أي مواطن آخر.. ومن الظلم أن يدفع ثمن ممارسات تنظيم، أو أن يطلب منه إثبات براءته بسبب اسمه أو لباسه.. كما أن من الظلم اختزال ملايين المسلمين في جهة تدعي تمثيلهم، ثم تستخدم هذا الادعاء لتوسيع نفوذها.
إن أخطر ما يفعله توظيف الدين سياسياً هو تحويل الاختلاف مع التنظيم إلى اختلاف مع العقيدة.. عندئذ تضيق مساحة النقاش ويصبح نقد القيادة اعتداء على المقدسات، وتتحول الطاعة السياسية إلى واجب يُلبس ثوباً دينياً.. وفي هذه المساحة الملتبسة ينشأ الاستغلال، إذ يجد الإنسان نفسه أمام من يطالبه بتسليم ضميره، قبل أن يطالبه بصوته أو ماله.
ولذلك لا ينبغي لأوروبا أن تستبدل تعميماً جديداً بتساهل سابق.. فالمواجهة التي تعتمد الانفعال قد تمنح التنظيمات فرصة للعودة إلى خطاب المظلومية، بينما المواجهة القائمة على الأدلة تحاصر قدرتها على المناورة.. المطلوب ملفات واضحة، وإجراءات قابلة للمراجعة، ومحاسبة على أفعال محددة، حتى يعرف المجتمع أن القانون يحميه، وأنه لا يعاقب الناس على هوياتهم أو معتقداتهم..
وقد خبرت مجتمعاتنا العربية كلفة الخلط بين الدعوة إلى الخير والسعي إلى احتكار القرار، وبين الانتماء إلى الوطن والانضباط لمشروع التنظيم.
ويبقى الامتحان الحقيقي فيما يأتي بعد التصويت.. فالقرارات تستطيع أن تعلن بداية الوعي، لكنها لا تنجز وحدها عملاً مؤسسياً مستمراً.. تحتاج أوروبا إلى رقابة لا تنام بعد انحسار العناوين، وإلى مؤسسات تعرف كيف تراجع شراكاتها، وتصحح أخطاءها، وتمنع المال العام من خدمة مشاريع تناقض الغاية التي خصص من أجلها.
الحرية مسؤولية بقدر ما هي حق.. حمايتها تتطلب شجاعة السؤال، وحكمة التمييز، وعدالة المحاسبة.. وإذا استطاعت أوروبا الجمع بين هذه الثلاثة، فإنها ستحمي مجتمعاتها، وتحمي المسلمين فيها أيضاً من محاولات احتكار أصواتهم واستغلال إيمانهم.. أما الاكتفاء برفع الصوت، ثم العودة إلى الاطمئنان القديم، فلن يفعل أكثر من تأجيل المشكلة.. لقد فتح الملف والمهم الآن أن تبقى العيون مفتوحة.