أعجبني بيت للمتنبي يقول فيه: «الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ هو أوّلٌ وهي المحلُّ الثاني»، هنا تأخذنا فلسفة المتنبي في القوة والشجاعة إلى ما هو أبعد من ظاهر البيت؛ فليس من اليسير أن تضع الشجاعة في المرتبة الثانية، وأن تجعل ما يسبقها رأياً وحكمةً وحُسن تقدير.

غير أن عظمة القيادة تتجلّى حين تجتمع هذه الخصال في قائد واحد؛ فتلتقي الشجاعة بالحكمة، والجسارة ببُعد النظر، والقوة برجاحة العقل، حتى يغدو الرأي ميزاناً للقوة، وتصبح الحكمة هي التي تحدّد متى تتقدّم الشجاعة ومتى تتريّث.

وهنا أتوقف متأملة نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ قائد أرى في حكمته مدرسة للقيادة، وفي نهجه دستوراً جديراً بأن يُقرأ ويُفهم ويُستلهم؛ إذ إن القيادة في أسمى معانيها ليست مجرد امتلاك القوة، بل امتلاك الحكمة التي تُحسن توجيهها.

لقد ترسّخ هذا النهج في شخصية سموه؛ فكان التروّي رفيق قراراته، والثبات عنوان مواقفه. لا تدفعه ضوضاء العالم إلى معركة لم يختر زمانها ومكانها، ولا تقوده الانفعالات إلى ردود لا تليق بحكمة القادة.

فهو يدرك أن أعظم شجاعة ليس في القدرة على المواجهة فحسب، بل أيضاً في امتلاك القرار الذي يحدّد ضرورتها وتوقيتها.

تُكثر بعض الأمم من ضجيجها، وتتسابق في استعراض قوتها وتصريحاتها، بينما يجلس هو في هدوء مهيب، ليقدّم في فنون السياسة دروساً لا تحتاج إلى منابر ولا إلى صخب؛ وما إن يرفع العالم صوته، حتى يكون اللجام في يده؛ لا ليجاري الضجيج، بل ليضبط إيقاع الأحداث بحكمة.

حقيقة تعلمنا منه الكثير، ولعلّ أعظم ما تعلمناه نحن شعبه منه أن الحزم لا يناقض الرحمة، وأن التواضع لا ينتقص من الهيبة، وأن القوة الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية الإنسانية.

رأيناه في أصعب المواقف ثابتاً حاسماً حين يستوجب الأمر الحسم، لا يتهاون فيما يمسّ وطنه وشعبه، ولا يسمح لتعقيدات الأحداث أن تصرفه عن أولوياته.

ورأيناه بقلب الشجاع وحنان الإنسان بين أبناء شعبه، قريباً من كبيرهم وصغيرهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم؛ فلا تحجبه مسؤوليات القيادة عن تفاصيل حياتهم، ولا تفصل هيبة المنصب بينه وبين قلوبهم.

وهنا تتجلّى شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة القائد الذي يجمع بين صلابة الموقف ورهافة الشعور، فلا تطغى هيبة القيادة على إنسانيته، ولا تنتقص عاطفته من قوة حضوره، بل يجعل من محبة شعبه امتداداً لهيبته، لا استثناءً منها.

وقد يُربك العالم خطاب عسكري صاخب، غير أن جلسة حكمة هادئة، قد يكون لها من الأثر ما لا تبلغه ضوضاء السلاح؛ فليست القوة دائماً فيما يُقال أو يُستعرض، بل فيما يُدركه الآخرون دون أن يُقال.

وهنا أعود إلى فلسفة المتنبي، فأجد فيها معنى يتجاوز زمانه؛ فليس كل من امتلك القوة أحسن قيادتها، ولا كل من خاض المعارك أدرك أن أعظم الانتصارات قد تتحقق دون خوضها.

إنها شجاعة الحكمة؛ حين يتقدّم العقل فيحتلّ مقام القوة الأولى، وتبقى القوة في مقامها الثاني، لا تتقدّم إلا حين تشير إليها الحكمة.