في حديث جمعني بأحد الأصدقاء من النخبة المثقفة المهتمين بالشأن الثقافي والفكري والإعلامي، استوقفتني تجربة له ذكرها لي أثناء حديثه حول نقاش مع شخصية يفترض بها الوعي والفهم، بسبب المؤهلات العلمية العليا والمكانة الوظيفية العالية.

حيث تطرّق صديقي لموضوع ذكر فيه أن تصرفات الأفراد لا تمثل جهاتهم ولا أسرهم أو قبائلهم، ولا حتى مجتمعاتهم أو دولهم، وما أثار استغراب صديقي، هو حرص من يفترض بهم الوعي والفهم، محاولة الدخول معه في جدال عقيم حول موضوع لم يتطرق له أبداً، بل هو لا يتبناه بتاتاً.

نحن نقول دائماً إن الاختلاف في الرأي مقبول، وأحياناً يكون مطلوباً وصحياً وضرورياً، لكن الفهم المغلوط ممن يفترض بهم الوعي والاستيعاب والفهم بسبب مؤهلاتهم وخبراتهم ومكانتهم الوظيفية يدعو للاستغراب، وفي المقابل، التقينا في محيطنا الاجتماعي بالكثير ممن لم يلتحقوا بمدارس وجامعات، وربما لم يغادروا مدنهم، إلا أننا نجدهم أكثر وعياً وفهماً لما يدور حولهم، وما يطرح من أفكار.

هذه الواقعة أثارت لدي تساؤلات عدة حول العلاقة بين التحصيل العلمي والوعي الفكري من جهة، والقدرة على الفهم والاستيعاب من جهة أخرى، فالمجتمع يفترض من صاحب المؤهلات العلمية والمكانة الوظيفية والاجتماعية، أن يتمتع بقدر من الوعي والنضج والاتزان، ويتوقع أن يكون لديه القدرة على الفهم والتحليل وإدارة الاختلاف.

وللأسف، الواقع يكشف لنا عكس ذلك، فنلاحظ وجود فجوة بين المكانة التي منحت للبعض بسبب مؤهلاتهم أو مكانتهم الوظيفية أو الإعلامية، ومستوى الخطاب الفكري والسلوك الأخلاقي في المجال العام، أو الفضاء الرقمي.

من وجهة نظري، ولتحليل الواقعة، أعتقد أن الإشكالية ليست في نقص المعلومات أو محدودية المعرفة، بل في هيمنة الافتراضات والقناعات المسبقة، حيث تؤثر في عملية الاستيعاب والفهم، فهناك من يدخل النقاش وقد حسم موقفه، بحيث يفسر ويفهم حسب قناعاته ومعتقداته وتصوراته المسبقة، ولا يحاول فهم الفكرة أو الرأي في السياق الصحيح لها.

من هذه الواقعة وغيرها الكثير، يثبت لنا أن الشهادات العلمية والخبرات العملية والمناصب القيادية والحضور الإعلامي، ليس بالضرورة أن تضمن لصاحبها الوعي الفكري والفهم الصحيح السليم، بل ربما تزيد الأمر تعقيداً، فتأخذ صاحبها العزة بالإثم، فيصبح الاعتراف بالخطأ أو التراجع عن الفهم المغلوط أصعب من الاستمرار فيه، بل وحتى الدفاع عنه.

وإذا رجعنا إلى منصات التواصل الاجتماعي، وما يدور فيها من نقاشات، سنجد أن الإشكالية تتجلى بصورة أوسع، حيث تكشف لنا بعض النقاشات عن سطحية الطرح، وسوء الفهم والاستيعاب، بل أحياناً تتضمن كلمات وإيحاءات وسلوكيات تتنافى مع أخلاقيات الحوار، بل تتنافى مع الدين والآداب والسلوكيات العامة، هذه الممارسات والتصرفات قد تصدر عن قلة أو ضعف الوعي، أو السعي المرضي للشهرة، خاصة إذا وجد جمهور يكافئ الإثارة والمناكفات، ويتفاعل مع المهاترات.

في الحقيقة، خطورة هذه الظاهرة تكمن في تحول بعض الشخصيات التافهة والمنحرفة فكرياً وسلوكياً وأخلاقياً، إلى نماذج وقدوات للجيل الجديد، فتختل المعايير، فيصبح الجدال العقيم والكلام البذيء قوة شخصية، وتصبح الإساءة والوقاحة وقلة الحياء جرأة، وفي المقابل، يتم تجاهل أصحاب الفكر والمعرفة والسلوك الراقي والأخلاق الرفيعة.

في إحدى المرات، سألني أحد الأصدقاء لماذا لا تدخل في بعض النقاشات، ولا تعلق على بعض الموضوعات؟ فكانت إجابتي، أنني تعلمت أن أصحاب الفكر الرصين يمتنعون عن مجارة المهاترات والمناكفات، ليس عجزاً أو خوفاً، بل ترفعاً وحكمةً، بالإضافة إلى الإدراك والوعي بأن بعض النقاشات مضيعة واستنزاف للوقت والعقل، ولا تضيف أي قيمة معرفية، ولا ترتقي بالوعي والعقل.

هنا يتضح لنا أن قيمة الإنسان الفكرية لا تحددها شهادة أكاديمية وحدها، بل قدرته على الفهم والاستيعاب والتفكير النقدي وصفاء العقل والنية، أما المجتمع الواعي فهو من يمنح المكانة لمن يستحقها، لا لمن يملك شهرة أكبر ومتابعين أكثر.