كلما اقترب الثالث من نوفمبر، الذي ينطلق فيه سباق التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، بدا في الأفق ما اصطلح الأمريكيون على تسميته: مفاجأة أكتوبر!

إننا نعرف أن السباق ينطلق في هذا الموعد الثابت كل سنتين، أو على الأدق ينطلق في الثلاثاء الأول من نوفمبر كل عامين، ونعرف أنه لا يُخلف موعده مع الناخبين أبداً، ولذلك، فالقصد بما يسمى «مفاجأة أكتوبر»، هو حدوث شيء يؤثر في اتجاه التصويت بالنسبة للحزب الجالس في مقاعد الحكم.

فإذا كان الحزب الجالس في مقاعد الحكم هو الحزب الجمهوري مثلاً، كما هو حاصل الآن، ومنذ أن عاد الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في يناير قبل الماضي، فالقصد أن يحدث شيء في حجم مفاجأة في أكتوبر، أي في الشهر السابق على انطلاق السباق مباشرة، فيؤدي إلى تعزير وجود الجمهوريين في السلطة طوال العامين المتبقيين لهم في البيت الأبيض، أو يمكن بطبيعة الحال أن يحدث ما يؤدي إلى العكس.

وهذا بالطبع ما يقاتل من أجله الرئيس ترامب، أقصد أنه يقاتل في سبيل أن يأتي ما يمكن أن يحدث في صفه، وقد بلغ في قتاله من أجل هذا الهدف إلى حد أنه تكلم عن أشياء غير مسبوقة في سباق الكونغرس على مدى تاريخه. وكان من بين ما تكلم عنه في هذا الشأن مثلاً، أنه وعد الأمريكيين بدفع خمسة آلاف دولار أمريكي لكل واحد فيهم، إذا احتفظ حزبه الجمهوري بالأغلبية الحالية في مجلسي الكونغرس!

هذا وعد انتخابي غير مسبوق، وقد أحدث، ولا يزال، ضجة واسعة في الوسط السياسي الأمريكي، وتساءل كثيرون عن حق: من أين سيأتي ترامب بتمويل ما وعد به إذا احتفظ حزبه الجمهوري بالأغلبية، وهل سيسمح له الكونغرس بالحصول على تمويل بهذا الحجم؟

تساؤل في مكانه تماماً، كما أنه تساؤل وجيه ومنطقي، ولكنه على كل حال سابق لأوانه، وسوف نكون على موعد متجدد للحديث عنه مع انتهاء السباق، وسواء احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، أو حل الديمقراطيون في محلهم، ليقفوا لهم عقبة كأداء طوال السنتين المتبقيتين.. سنعرف وقتها، وليس بيننا وبين ذلك إلا أيام معدودات.

وربما كان حديث ترامب عن الخمسة آلاف دولار نوعاً من استباق أي مفاجأة أكتوبرية، ومحاولة لقطع الطريق عليها، قبل أن يتسرب تأثيرها إلى الناخب، فتعمل على توجيه صوته من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي.

وحين أعلن عبد الرحمن السيد، مرشح الديمقراطيين في انتخابات الشيوخ عن ولاية ميشيغان، أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، سيحضر حملته الانتخابية في ديترويت يوم 24 من هذا الشهر، فإن إعلاناً كهذا من شأنه أن يربك الجمهوريين، ليس فقط في ولاية ميشيغان، التي فاز هو في انتخاباتها التمهيدية قبل أسابيع، وأحدث فوزه جدلاً واسعاً، وإنما الارتباك الجمهوري يمكن أن يمتد إلى أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية كلها، وعلى مستوى الولايات الخمسين، بغير استثناء.

إن أوباما اسم قوي لدى الأمريكيين عموماً، وقد فاز بفترتين رئاسيتين بسهولة، كما أن اسمه على مستوى حزبه الديمقراطي كبير سياسياً، ولذلك يستطيع أن يؤثر في توجهات الناخب، ويستطيع أن يخصم من رصيد ترامب شخصياً، ومن رصيد الجمهوريين السياسي في العموم، وهذا ما يكاد يجعل من حضوره الحملة الانتخابية للمرشح السيد، وكأنه مفاجأة أكتوبر، التي يتحسب لها دائماً الحزب الجالس في مقاعد الحكم، إذا ما جاء موعد السباق النصفي كل سنتين.

ويزيد من احتمالات أن يكون ظهور أوباما هو مفاجأة أكتوبر، أن كامالا هاريس، نائبة الرئيس السابق، جو بايدن، ومرشحة الديمقراطيين في مواجهة ترامب خلال السباق الرئاسي الماضي، أعلنت هي الأخرى استعدادها للحضور مع أوباما في حملة عبد الرحمن السيد الانتخابية.

ومن الطبيعي أنهما إذا حضرا الحملة بالفعل، فإنهما سيخاطبان الناخب الأمريكي في العموم، لا ناخب ميشيغان وحده، وسيدعوانه إلى انتخاب مرشحي الحزب الديمقراطي، وسيكون ذلك مما سوف يؤرق ترامب للغاية، فلا يجعله ينام!

أجمل ما في هذا الموضوع كله، أن الطرفين، الجمهوري والديمقراطي، يحتكمان إلى الناخب، وأنه هو المرجع في المعركة كلها، وأن إرادته هي التي تعلو بفريق من السياسيين في بلاد العم سام، وتهبط بفريق، أو تخسف به الأرض، بالمعنى السياسي للخسف لدى أهل السياسة.