لم يكن فوز الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب لعام 2026 مفاجأة عادية، بل صدمة أدبية تثير أسئلة حول المعايير التي تعتمدها الأكاديمية السويدية في اختيار الفائزين بأرفع جائزة أدبية في العالم. وليس مصدر الصدمة أن كارسون اسم غير معروف على نطاق واسع، فشهرة الكاتب ليست مقياساً لقيمته، ولكن في أن تجربتها الأدبية، مهما قيل عن جرأتها وابتكارها، تبدو بعيدة عن المستوى الذي ارتبط في أذهاننا بكبار الأدباء الذين حملوا الجائزة من قبل.

بررت الأكاديمية السويدية اختيارها بأن كارسون قدمت أعمالاً جريئة ومبتكرة، استطاعت من خلال حوارها المرح مع التراث الكلاسيكي أن تخلق أشكالاً جديدة للأدب المعاصر. وهو تبرير يضع التجريب والابتكار الشكلي في مقدمة أسباب الفوز. لكن هل يكفي ابتكار أشكال جديدة للكتابة لكي يصبح صاحبها واحداً من كبار أدباء العالم؟

لا خلاف على أن التجديد ضرورة من ضرورات تطور الأدب. فلولا المغامرة الفنية لما تطورت الرواية، ولا تحرر الشعر من كثير من قيوده، ولا ظهرت تيارات أدبية غيرت نظرتنا إلى الإنسان والعالم. لكن التجريب ليس غاية في ذاته، ولا يصبح عملاً عظيماً لمجرد خروجه على الأشكال المألوفة.

قيمته الحقيقية تكمن فيما يضيفه إلى الأدب، وما يتركه من أثر في الوجدان والذاكرة، وما يفتحه من آفاق جديدة لفهم التجربة الإنسانية.

آن كارسون شاعرة في المقام الأول كما تقول سيرتها، لكنها أيضاً باحثة في الأدب اليوناني القديم، ومترجمة وكاتبة مقالات أدبية. وقد جمعت في أعمالها بين الشعر والنثر والأسطورة والدراسة الأكاديمية، حتى بات من الصعب وضع بعض كتبها ضمن جنس أدبي محدد.

ومن أشهر أعمالها «السيرة الذاتية للأحمر» و«إيروس الحلو المر» و«نوكس». وهي أعمال حظيت بتقدير نقدي، ووجدت جمهوراً في الأوساط الأدبية والأكاديمية، لكن هذا التقدير لا يعفيها من المقارنة مع تجارب أدبية أكثر رسوخاً وتأثيراً.

ولكي لا يبقى الحديث عن تجريب كارسون مجرد وصف عام، يمكن التوقف عند قصيدتها الطويلة «المقالة الزجاجية»، التي تمزج فيها تجربة الانفصال العاطفي بالتأمل في حياة الروائية والشاعرة الإنجليزية إميلي برونتي وأعمالها. تقول في مطلع القصيدة:

«أسمع طقطقات صغيرة داخل حلمي.

والليل يقطر من صنبوره الفضي».

وفي مقطع آخر تصف الربيع بقولها:

«الربيع ينفتح هناك كنصل».

إنها صور شعرية موحية، ولا تخلو من جمال أو قدرة على الإدهاش، خصوصاً صورة الربيع الذي ينفتح كنصل، بما تحمله من تناقض بين الحياة والجرح. لكن القصيدة سرعان ما تنتقل بين الذكريات الشخصية والحوار العائلي والقراءة الأدبية والتأمل النفسي، في بناء يمزج الشعر بالسرد والنقد الأدبي.

وهذا المزج أحد أبرز ملامح مشروع كارسون. وليس الاعتراض على هذا الأسلوب في ذاته، بل على اعتباره دليلاً كافياً على التفوق الأدبي. فالتجريب قد يخلق نصاً مختلفاً ومثيراً للاهتمام، لكن اختلافه لا يحسم السؤال عن عمقه الشعري أو مكانته بين الأعمال التي غيرت تاريخ الشعر.

وليس المطلوب أن تكون كارسون روائية على غرار غابرييل غارسيا ماركيز أو نجيب محفوظ أو ويليام فوكنر حتى تستحق نوبل. فالجائزة ليست حكراً على الرواية، وقد ذهبت إلى شعراء كبار تركوا بصماتهم في تاريخ الأدب. وهنا تصبح المقارنة أكثر مشروعية، لأنها تقع داخل الحقل الشعري نفسه.

لقد كان توماس إليوت، الفائز بنوبل عام 1948، مجدداً كبيراً في الشعر، لكنه لم يدخل تاريخ الأدب لأنه كسر الأشكال التقليدية فحسب، بل لأنه قدم في قصيدته الشهيرة «الأرض اليباب» رؤية شعرية عميقة لأزمة الإنسان والحضارة الحديثة. أما التشيلي بابلو نيرودا، الفائز عام 1971، فقد استطاع أن يجمع بين قوة الصورة الشعرية واتساع التجربة الإنسانية، وأن يمنح الحب والطبيعة والتاريخ أصواتاً بقيت حية بعد رحيله.

وهناك الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، الفائزة بنوبل عام 1996، التي قدمت نموذجاً مختلفاً تماماً للشعر الكبير. فقد تميزت قصائدها بالتأمل الفلسفي والمفارقة والسخرية الهادئة، وكانت تنطلق من التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية لتطرح أسئلة عميقة عن الوجود والمصادفة والموت والتاريخ.

لم تكن بحاجة إلى بناء شعري شديد التعقيد لكي تصل إلى هذه الأسئلة، بل استطاعت بلغة تبدو بسيطة أن تكشف عن عالم واسع من المعاني والتناقضات الإنسانية.

ويمكن أن نتذكر أيضاً الشاعر الإيرلندي شيموس هيني، الفائز عام 1995، الذي استطاع أن يحول الأرض والذاكرة والعمل اليومي وتاريخ بلاده إلى شعر بالغ الجمال والعمق الأخلاقي.

وكذلك شاعر الكاريبي ديريك والكوت، الفائز عام 1992، الذي أعاد قراءة التاريخ الاستعماري والهوية والثقافات المتداخلة في ملحمته الشعرية «أوميروس»، مستفيداً من التراث الإغريقي نفسه الذي تستلهمه كارسون، لكنه جعله جزءاً من تجربة إنسانية وتاريخية جديدة.

أما الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، الفائز عام 1990، فقد جمع بين التأمل الفلسفي والتجريب الشعري والانفتاح على ثقافات متعددة، من دون أن يفقد شعره صلته بالإنسان وأسئلته الوجودية.

وحتى عندما خرجت نوبل عن دائرة الشعر والرواية، ومنحت الجائزة عام 1986 للكاتب النيجيري وول سوينكا، الشاعر والمسرحي، فإنها كرمت تجربة استطاعت أن تمزج التراث الأفريقي بالمسرح الحديث، وأن تجعل من الصراع بين الإنسان والسلطة والتقاليد مادة درامية تتجاوز حدود ثقافتها المحلية.

هذه أسماء وتجارب مختلفة، لكنها تشترك في أمر جوهري: أن التجديد فيها لم يكن مجرد مغامرة في الشكل، وإنما وسيلة لقول شيء عميق عن الإنسان والعالم.

فأين تقع تجربة كارسون من هذه التجارب الكبرى؟ وهل استطاعت أن تقدم للشعر ما قدمه هؤلاء، أو أن تترك أثراً يماثل أثرهم في تطور الحساسية الشعرية والوعي الإنساني؟

قد يرى المدافعون عنها أن مثل هذه المقارنة غير عادلة، وأن لكل شاعر عالمه الخاص وأدواته المختلفة.

وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكنه لا يلغي حقنا في التساؤل عن القيمة الأدبية التي تجعل عملاً ما جديراً بنوبل. فإذا كانت الجائزة تمنح لأبرز الإنجازات الأدبية، فمن الطبيعي أن نقارن بين الإنجازات، لا بين الأشكال وحدها.

ولعل أكثر ما يثير التحفظ في حيثيات فوز كارسون هو الاحتفاء الواضح بقدرتها على تجاوز الحدود بين الأجناس الأدبية. فكأن الجمع بين الشعر والنثر والترجمة والبحث الكلاسيكي أصبح في ذاته إنجازاً يستحق المكافأة الكبرى. والحقيقة أن الأدب عرف منذ زمن بعيد أعمالاً تجاوزت هذه الحدود، لكن قيمتها لم تكن في صعوبة تصنيفها، وإنما في قدرتها على خلق تجربة جمالية وإنسانية لا يمكن نسيانها.

ولعل المقارنة مع ديريك والكوت تحديداً تكشف الفارق الذي يستحق التأمل. فكلاهما عاد إلى الأساطير اليونانية، لكن والكوت أعاد بناء ملحمة هوميروس في فضاء الكاريبي، ومنحها حياة جديدة مرتبطة بتاريخ الاستعمار والهوية والذاكرة. أما كارسون فتتجه غالباً إلى تفكيك النصوص القديمة وإعادة تركيبها في أشكال لغوية وشعرية غير مألوفة. ولا شك أن في ذلك ابتكاراً، لكن السؤال يبقى عن حجم الإضافة الإنسانية والجمالية التي يحققها هذا الابتكار. ليس كل نص غامض عميقاً، ولا كل بناء معقد مبتكراً، ولا كل خروج على المألوف إضافة إلى الأدب. فقد يكون التجريب أحياناً تعبيراً عن رؤية جديدة، وقد يتحول أحياناً أخرى إلى لعبة لغوية وفنية لا تتجاوز حدودها الخاصة.

ولا يعني ذلك إنكار موهبة كارسون أو التقليل من جهدها الأدبي الممتد على مدى عقود. فمن حقها أن تجرب، وأن تبتكر، وأن تكتب بالطريقة التي تراها مناسبة لعالمها. ومن حق النقاد والقراء أيضاً أن يختلفوا حول قيمة هذه التجربة، وحول ما إذا كانت تستحق المكانة التي منحتها إياها الأكاديمية السويدية.

إن جائزة نوبل لا تصنع القيمة الأدبية بالضرورة، كما أن عدم الفوز بها لا ينتقص من مكانة الكاتب.

ويكفي أن نتذكر أن كتاباً مثل بورخيس وفرجينيا وولف وجيمس جويس ومارسيل بروست وغيرهم رحلوا من دون أن ينالوا الجائزة، ومع ذلك بقيت أعمالهم حاضرة في تاريخ الأدب وذاكرة القراء.

وربما يكون السؤال الذي يطرحه فوز كارسون أوسع من تجربتها الشخصية: هل تتجه نوبل إلى إعطاء أهمية متزايدة للمغامرة الشكلية على حساب الأثر الأدبي والإنساني؟ وهل أصبح الابتكار في طريقة الكتابة أكثر أهمية من قوة ما تقوله الكتابة نفسها؟

لا أعتقد أن الأدب العظيم مطالب بأن يكون سهلاً أو شعبياً، ولا أن يصل إلى ملايين القراء لكي يستحق الاعتراف. لكنني أعتقد أن عليه أن يقدم ما هو أبعد من الدهشة أمام غرابة الشكل أو براعة التركيب.

عليه أن يترك شيئاً يبقى بعد انتهاء القراءة، شيئاً يتجاوز الإعجاب بالتقنية إلى الإحساس بأننا اكتشفنا جانباً جديداً من الإنسان والحياة. وهنا يكمن التحفظ على فوز آن كارسون. فالتجريب يستحق التقدير حين يفتح طريقاً جديداً للأدب، لكنه لا يستحق وحده أن يكون معياراً للعظمة. أما نوبل، فيفترض أن تبحث عن الأدب الذي لا يكتفي باختراع شكل جديد للكتابة، بل يمنح هذا الشكل حياة تتجاوز صاحبه وزمنه.