كيف تبقى حكمة القائد حاضرة بعد أن تتحول سيرته إلى تاريخ؟ تبقى حين تنتقل من الكتب إلى الإنسان؛ إلى طريقة تفكيره، وميزانه في المواقف، ومسؤوليته تجاه وطنه. وهنا تتجلى بصمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي ترك دولة راسخة، وأرسى مدرسة وطنية امتد أثرها من بناء الاتحاد إلى بناء الإنسان. ومن هذه المدرسة اكتسبت عبارة «عيال زايد» معناها الأعمق؛ فهم امتداد لقيم الإمارات: الحكمة، والاتزان، والوفاء، والثبات على المبادئ، والانفتاح على المستقبل مع التمسك بالجذور.

كانت الحكمة في نهج الشيخ زايد منهجاً لبناء الدولة والإنسان؛ تقرأ الواقع، وتستشرف المستقبل، وتوازن بين الممكن والطموح، وتجعل الإنسان محور التنمية. وتجلى ذلك في الاتحاد الذي حوّل الوحدة من اتفاق سياسي إلى ضمير وطني، ورسخ أن قوة الإمارات تنبع من تكامل إماراتها السبع، وأن قوة كل إمارة إضافة إلى قوة الوطن. ومن هنا تتضح إحدى رسائل مدرسة الشيخ زايد: حين تتقدم «نحن» على «أنا»، يصبح الاتحاد ثقافة في التفكير والسلوك، وحصناً للدولة.

ومن هذا الإرث يمثل «عيال زايد» نموذجاً في توريث الحكمة الوطنية. والمقصود بالتوريث هنا انتقال القيم من جيل إلى آخر عبر القدوة والتنشئة والممارسة؛ فالأسرة تغرسها، والمدرسة تعمقها، والمجتمع يحميها، والقيادة تجسدها في الرؤية والممارسة. ومن ثم فإن قوة القيم لا تُقاس بكثرة الحديث عنها؛ بل تُقاس بقدرتها على الظهور في المواقف. عندها يصبح الانتماء سلوكاً، والولاء عملاً، والحكمة وسيلة لصون الوطن.

وتظهر هذه المسؤولية في تفاصيل تبدو صغيرة، غير أن أثرها كبير: في إتقان العمل، واحترام القانون، وصيانة المال العام، وحماية سمعة الدولة، واحترام الآخر، وحسن استخدام الكلمة. وفي الفضاء الرقمي تتضاعف هذه المسؤولية؛ فقد تتحول مشاركة عابرة إلى رسالة تصل إلى آلاف الأشخاص، وقد تمنح إعادة النشر معلومة مضللة عمراً جديداً. لذلك يصبح السؤال الذي يسبق التعبير والمشاركة: ماذا سيضيف قولي إلى وطني ومجتمعي؟ فالمواطنة في عصرنا تمتد إلى ما نكتب، وما ننشر، وما نختار أن نمنحه مساحة في وعي الآخرين.

ومن هنا تتشكل «الحكمة المواطِنة»؛ وهي القدرة على تحويل الانتماء من شعور إلى تقدير واعٍ للموقف ونتائجه. وتتطلب التثبت من الأخبار، وفهم اختلاف الآراء، والتمييز بين النقد البنّاء والتضليل، والحوار دون خصومة، وممارسة الحق مع إدراك أثره. فالمواطن الواعي لا يخشى السؤال أو الاختلاف، ويدرك في الوقت ذاته أن حرية الرأي تزداد قيمة حين تقترن بالمعرفة والمسؤولية واحترام المجتمع.

ومع الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والخوارزميات وسرعة تدفق المعلومات، تظهر مساحة أخرى للحماية يمكن تسميتها «حدود الوعي». فإذا كانت الحدود الجغرافية تصون الأرض والسيادة، فإن حدود الوعي تصون قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة ومحاولات التأثير. وهنا تصبح الحصانة الفكرية مسؤولية وطنية؛ لأن المجتمع الأكثر وعياً يكون أقدر على مواجهة الشائعة والاستقطاب والتلاعب بالعواطف. وحماية الوطن تبدأ من حماية العقل من الفكرة المشوهة.

وهذه المسؤولية مشتركة؛ فالأسرة تبني المرجعية، والمدرسة تعلم التفكير والحوار، والجامعة توسع القدرة على التحليل، والإعلام يعزز الوعي، والمؤسسات الوطنية تحول القيم إلى ممارسة. لذلك فإن السؤال الأهم للأجيال ليس: هل تعرفون قيم الإمارات؟ والسؤال الراسخ: كيف ستتصرفون بهذه القيم عندما تواجهون موقفاً حقيقياً؟ فالقيم لا تُقاس بما نحفظه عنها؛ تُقاس بما نطبقه منها لحظة موقف الاختبار.

وفي امتداد مدرسة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، نهج الاستثمار في الإنسان، والتمسك بالهوية والقيم، وتعزيز التماسك الأسري والمجتمعي، بالتوازي مع استشراف المستقبل وبناء القدرات في العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهنا تتضح معادلة إماراتية مهمة: لا تعارض بين الهوية والمستقبل؛ فالمستقبل لا يتطلب مغادرة الجذور، ويستمد منها الثقة والاتجاه. وكلما عرف الإنسان من هو، أصبح أكثر قدرة على الانفتاح على العالم والتفاعل معه دون أن يفقد هويته.

والحكمة الوطنية لا تعني التردد أمام التحديات؛ فهي حسن قراءة الموقف واختيار ما يخدم الوطن ويقدم مصلحته العليا. تعرف متى يكون التسامح قوة، ومتى يصبح الحزم ضرورة، ومتى تكون الكلمة جسراً، ومتى يتطلب صون المكتسبات موقفاً ثابتاً. وهكذا تجمع الحكمة الإماراتية بين هدوء القراءة، وثبات المبدأ، ووعي النتائج.

واليوم يتجاوز دور «عيال زايد» المحافظة على المنجز إلى صناعة ما لم يتحقق بعد. فالعالم يتغير، وأدوات القوة والمعرفة تتغير معه، ولذلك يحتاج الوطن إلى إنسان إماراتي ينافس بالعلم، ويقود بالمعرفة، ويبتكر بالتكنولوجيا، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعي من موقع الصانع والمؤثر في المستقبل؛ إنسان يمتلك جذوراً تحمي اتجاهه، ومعرفة توسع أفقه، وحكمة تضبط اختياره.

وهنا يصبح أعظم الوفاء لزايد أن يُرى أثر زايد فينا؛ في أخلاقنا حين نختلف، وفي وعينا حين نتلقى المعلومة، وفي حكمتنا حين نقرر، وفي إخلاصنا حين نعمل، وفي تماسكنا حين نواجه التحديات، وفي مسؤوليتنا تجاه الإمارات.

فـ«عيال زايد» ليسوا جيلاً تحدده الأعمار؛ هم امتداد لقيمه، وحَمَلة أمانة، وشركاء في مستقبل وطن. وتلك هي قوة الإمارات الراسخة: أن تتحول حكمة المؤسس من إرث نحفظه إلى منهج نمارسه، ومن قيمة تسلمناها إلى مسؤولية نضيف إليها.

وهكذا يبقى عيال زايد: حكمة تصون الإمارات، ووعياً يحمي مكتسباتها، وعلماً يصنع مستقبلها، وإرادة تعرف قيمة ما ورثته، وتدرك مسؤولية ما ستورثه للأجيال القادمة.