في «الرسائل»، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلاصة ستة عقود من التجربة والعمل العام، في كلمات موجهة إلى رموز وشخصيات وطنية وأجيال مختلفة.. لكل رسالة من الرسائل الـ ٢٦ مخاطبها، ولكل قراءة زاويتها التي تمتد أبعد من صفحات الكتاب.

في هذه السلسلة «الرسائل من التجربة إلى الأثر»، التي تنشر بشكل دوري كل خميس، نقرأ الرسائل من الداخل، ونقترب من الأفكار التي حملتها التجربة، وما تكشفه من معانٍ في حاضرنا، وما ترسم لمستقبلنا.

في فهرس كتاب «الرسائل»، وقبل الوصول إلى متنها، تستوقفنا الرسالة الرابعة عشرة بمكانها، تسبقها ثلاث عشرة رسالة وتليها اثنتا عشرة، فتقع في الكتاب كواسطة عقده، أو قريباً جداً من قلبه.

لا نعرف إن كان هذا الترتيب مقصوداً في بنية الكتاب أم جاء مصادفة، لكن موقعها يظل لافتاً، ففي كتاب تتوجه رسائله إلى أشخاص وأبناء وأجيال ومهن وقيادات، يأتي عنوان الرسالة الرابعة عشرة من دون مخاطب محدد، لا اسم، ولا مهنة، ولا جيل، ولا جهة، كلمة واحدة بعد «رسالة»: الرحمة، كأنها حين لم تتوجه في عنوانها إلى أحد بعينه، اتسعت لتصل إلى الجميع.

وتساءلت: لماذا تحتاج الرحمة، وهي من أكثر القيم حضوراً في لغتنا وحياتنا، إلى رسالة مستقلة في كتاب عن التجربة والقيادة والحياة؟

ويأتي أول جواب في حكاية قصيرة يرويها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في بداية الرسالة، سأله أحد أصدقائه عن سبب إطلاقه كل عام لحملة مجتمعية كبيرة في رمضان، وهو صاحب مؤسسات إنسانية كثيرة تعمل في الخير طوال العام وتمتد مشاريعها إلى بلدان عدة، فقال سموه:

«أريد أن أنشر الرحمة في المجتمع»، جملة تنقل العطاء من فعل يصل إلى المحتاج، إلى تجربة تترك أثرها في المشاركين، فحين يشترك الناس في العطاء، ويعتادون الالتفات إلى من يحتاج، تتسع دائرة الرحمة من إنسان إلى آخر، حتى تصبح جزءاً من سلوك المجتمع.

والرحمة أوسع من فعل الخير، وأعمق من لحظة تعاطف عابرة، هي الطريقة التي يرى بها الإنسان غيره، بعيداً عن حساب المنفعة أو الخوف أو انتظار المقابل، وتضع الرسالة هذا المعنى في اختبار بالغ البساطة:

«علمتني الحياة: إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان ما، فانظر كيف يعامل من لا يحتاج إليهم، ومن لا يخاف منهم، ومن لا ينتظر منهم شيئاً»، عندها يصبح السلوك مرآة صافية للإنسان؛ فما يفعله حين يغيب المكسب والخوف والحاجة يكشف الكثير مما قد تخفيه الكلمات.

للحضارة وجه في عمران المدن، ووجه آخر في العلاقات التي تنشأ داخلها، فالمدن تبنى بالإسمنت وتُسكن بالطباع، قد تتسع الطرق، وتعلو المباني، وتتطور الخدمات، ويبقى الشعور الحقيقي بجودة الحياة مرتبطاً بالطريقة التي يعامل بها الناس بعضهم بعضاً، والرحمة هنا مقياس لما تحتفظ به المدينة من احترام ورأفة وقدرة على حماية الأضعف، وهو المعنى الذي تختصره العبارة: «الحضارات تقاس بمقدار الرحمة في قلوب أبنائها».

ومهما اتسعت القوانين، يبقى في حياة الناس ما لا تصنعه النصوص، تستطيع القوانين أن تردع الجريمة، وتحفظ الشرطة الأمن، وتفصل المحاكم في النزاعات، وتبقى الرحمة في مساحة أسبق من ذلك كله:

تخفف القسوة قبل أن تتحول إلى سلوك، وتمنح العلاقات قدراً من الرفق يسبق كثيراً من الخلافات ويمنعها من أن تكبر، فالنظام يحفظ المجتمع من الفوضى، والرحمة تحفظه من أن يصبح مكاناً يأكل فيه القوي الضعيف، وتبدو قسوة القلوب في الرسالة خطراً يصعب قياسه بالأرقام، وقد يمتد أثره أعمق من أزمات تكشفها المؤشرات.

وما لا تصنعه النصوص يبدأ غالباً في التربية، عندما يكبر الطفل وهو يرى العطاء جزءاً من الحياة، ويعتاد الالتفات إلى الآخرين، تستقر الرحمة في سلوكه قبل أن يعرف معنى الحملة أو المؤسسة، والدعوة في الرسالة أن تصبح الرحمة جزءاً من حياة الأطفال والأسر والمدارس، ومن ثقافة المجتمع وصورة الوطن عن نفسه، والفرق دقيق بين أن يُنجز العمل الإنساني وأن يُزرع: الأول مشروع يُدار، والثاني ثقافة تورث.

وعلى امتداد أكثر من عقد، تبدلت أبواب العطاء وبقيت المشاركة المجتمعية حاضرة، من «كسوة مليون طفل» إلى «سقيا الإمارات»، ثم «وقف الأب» للرعاية الصحية، وصولاً إلى «حد الحياة» لإنقاذ الأطفال من الجوع، عناوين مختلفة، وفي كل مرة يجد الناس طريقاً جديداً إلى العطاء. في «وقف الأب» وحده تجاوزت المساهمات 3.72 مليارات درهم بمشاركة أكثر من 277 ألف مساهم، هو عطاء يتجدد عاماً بعد عام، ويصبح مع الوقت جزءاً من ذاكرة المجتمع وعاداته.

في قلب «الرسائل» تستقر الرحمة كأنها الخيط الذي يصل التجربة بالإنسان، فالقيادة تمنح القيمة قوتها حين تتحول إلى قدوة، والعمل الإنساني يمنحها حياة حين تخرج من الشعور إلى الفعل، تبدأ الرسالة من أهل الخير، ثم تتسع حتى يصبح كل قارئ طرفاً فيها، وربما لهذا بقي عنوانها كلمة واحدة: الرحمة.. كلمة تبدأ في الإنسان، وتُختبر في الفعل، ويكبر معناها كلما جعلت المجتمع أكثر إنسانية.