لماذا تخرج بعض الدول من الأزمات وقد كسبت احترام العالم، بينما تخرج أخرى منها مثقلة بالشكوك؟ سؤال يتكرر مع كل أزمة كبرى، وجوابه في الغالب أبسط مما نظن، فالأزمات تكشف حقيقة الدول، وتُظهر إن كانت الحكاية التي ترويها عن نفسها صادقة أم لا، وقد انتبه المفكر الأمريكي جوزيف ناي، صاحب مفهوم القوة الناعمة، إلى أهمية هذه الحكاية، ورأى أن الغلبة في عصر المعلومات قد لا تكون لصاحب الجيش الأكبر، إنما لمن يملك القصة التي يصدقها الناس ويؤمنون برسالتها.

والسردية في لغتنا مشتقة من السرد، ومن معانيه في المعاجم تتابع الشيء متسقاً بعضه في إثر بعض، ونسج حلقات الدرع حلقةً حلقة حتى تتماسك معاً، وعلى هذا النحو تنسج السردية الوقائع المتفرقة، فتشد بعضها إلى بعض حتى تصير حكاية ذات معنى، ويرى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أن الإنسان يعرف ذاته من خلال القصة التي يرويها عن حياته، والدول كذلك تعرف نفسها وتُعرَف بالحكاية التي تربط ماضيها بحاضرها وتفتح لها أفق المستقبل، وكل سردية وطنية تبدأ من الإنسان، من بيت وعائلة وحلم صغير، ثم تتسع حتى تحتضن وطناً بأكمله.

وفي الدبلوماسية تصبح السردية تعريفاً للذات أمام الآخر، تحدد به الدولة هويتها وغاياتها وموقعها من العالم، وهي تتجلى في البيانات والخطب، وتتجذر في الهوية والقيم، وحين يتسق ما تقوله الدولة مع ما تفعله تولد الثقة، فالثقة بين الدول تُبنى على الاتساق بين القول والفعل، وتترسخ بالثبات على المواقف عبر الزمن، وفي عالم اليوم تتنافس سرديات كثيرة، يقوم بعضها على الأيديولوجيا، وبعضها على المظلومية أو ذاكرة مجد مضى، ويبني أغلبها شرعيته على الماضي أكثر مما يبنيها على المنجز الحاضر.

والإمارات اختارت حكاية أخرى، فمنذ قيام الاتحاد كانت سرديتها سردية بناء وانفتاح ويد ممدودة، ثم دونتها عام 2021 في «مبادئ الخمسين» التي ترى في التنمية غاية السياسة الخارجية، وفي تعدد الشراكات ضماناً لاستقلال القرار الوطني، ومن هنا تأتي أهمية السردية الإماراتية، فقد صاغت للدولة حضوراً دولياً يقوم على المصداقية، وجعلت من قيمها الإنسانية لغة مشتركة مع الشعوب، فباتت شريكاً يُعتمد عليه حين تتعقد الأزمات وتتباعد المواقف.

ومن هذه السردية نشأ التوازن الإماراتي، فالمنطقة مثقلة بالتوترات، والعالم تتجاذبه قوى متنافسة، ومع ذلك حافظت الإمارات على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى في الشرق والغرب، وحرصت على أن تبقى قنواتها مفتوحة مع أطراف قطعت ما بينها من حوار، والتوازن بهذا المعنى موقف يتطلب شجاعة وبصيرة، فهو يقتضي قراءة دقيقة لمصالح الجميع، ومرونة تحفظ بها الدولة علاقاتها دون أن تفرط في مبادئها، وهو خيار نابع من قناعة إماراتية بأن استقلال القرار الوطني أساس الحضور المؤثر في العالم، ومن هذا التوازن تَشَكل فهمها للسلام بوصفه مشروعاً طويل النفس، يبدأ بإسكات السلاح، ويكتمل بالتنمية وترسيخ المؤسسات.

ولا يكتمل الحديث عن السردية الإماراتية دون التوقف عند الإعلام الوطني، الذي يحمل هذه السردية إلى العالم ويمنحها صوتها، فهو يروي حكاية الوطن بأصوات أبنائه، ويقدم صورة الإمارات كما يعيشها أهلها ويعرفها المقيمون على أرضها، متحرياً الدقة قبل السبق، عارضاً الموقف الإماراتي بالاتزان الذي تُعرف به دبلوماسية الدولة، بعيداً عن لغة الإثارة، وفي زمن المنصات الرقمية، حيث تتسابق الروايات وتختلط المعلومة بالشائعة، أصبح هذا الإعلام شريكاً في صون مصداقية الرواية الإماراتية، وجسراً أميناً ينقلها إلى العالم كما هي.

وهذه الرصانة امتداد لخطاب القيادة، فصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يؤكد أن نهج الإمارات قائم على الحوار والعلاقات المتوازنة مع دول العالم، لتحقيق الاستقرار والازدهار للجميع، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، جعل من التنمية لغة يخاطب بها العالم، حتى غدا ما تنجزه الإمارات رسالة بحد ذاتها، وعلى هذا النهج تعمل الدبلوماسية الإماراتية، بقيادة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، على ترسيخ مكانة الدولة في المحافل الدولية، وتعزيز التعاون مع دول العالم على أساس الاحترام المتبادل.

نعود إذن إلى السؤال الذي بدأنا به، فالدول التي تكسب احترام العالم هي تلك التي تتطابق أقوالها مع أفعالها، وتبقى وفية لقيمها في الرخاء والشدة على حد سواء، وهكذا كتبت الإمارات سرديتها على قيم التنمية والانفتاح والشراكة، وأثبتت في كل محطة أنها جزء من الحل وصوت للعقل، ولهذا يصدق العالم هذه السردية ويؤمن برسالتها، ويرى في الإمارات اليوم نموذجاً لدبلوماسية التوازن التي تمد الجسور وتصنع الثقة.