هناك رسائل لم تكن يوماً حروفاً تُكتب ثم تُطوى، بل عبرت زمن أصحابها، وبقيت حيّة في الذاكرة والوجدان. فالتاريخ لم يخلِّد الرسائل لطولها فقط، أو لفصاحة كلماتها وحدها، وإنما لما حملته من صدقٍ إنساني استطاع أن يتجاوز الورق ليقيم في شغاف القلب.

وقد عرف التاريخ رسائل العلماء والأدباء والقادة إلى آبائهم ومعلميهم؛ رسائل امتنانٍ تعترف بأن وراء كل قامةٍ عظيمة يداً أمسكت بها في البدايات، وفكراً فتح لها أبواب المعرفة، وقيمةً ظلت ترافقها مهما امتدت بها السنوات.

أما اليوم، فنحن أمام رسالة تختلف باختلاف قائلها ومَن قيلت فيه؛ رسالة قائدٍ عبّر بلسان شعب، وسرد في كلمات قليلة شيئاً مما يجول في خاطر كل إماراتي. رسالة عبرت الأوراق والمنصات، وترسخت في قلوبنا وصدورنا؛ بسيطةً في حروفها، عميقةً في معناها، قويةً في أثرها.

رسالة خطّها فارس الكلمة، مضمونها الحب، وأساسها الوفاء، فلامست شغاف قلب كل من قرأها.

إنها رسالة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

قال فيها:

«رسالتي لك يا أبي زايد: لقد كبرت الإمارات.. وبقيت تشبهك».

وهنا نتوقف طويلاً أمام كلمة «تشبهك».

فهي ليست مجرد وصفٍ لوطنٍ كبر، بل أيضاً اختصار لمسيرة وطن حمل من مؤسّسه ملامح فكره وقيمه. وحين يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إن الإمارات كبرت وبقيت تشبه زايد، فإن المعنى يتجاوز العمران والاقتصاد والإنجاز؛ إلى السمات التي أراد الشيخ زايد أن تكون في روح هذا الوطن. تشبهه في الحكمة، وفي مدّ يد العون، وفي التسامح، وفي العطاء، وفي إعلاء قيمة الإنسان.

وهذه المعاني لم تبقَ فقط ذكرى تُروى عن المؤسّس، بل امتدت أيضاً في نهج الدولة ومؤسساتها؛ فالسياسة المتبعة للمساعدات الخارجية الإماراتية تؤكد أن المساعدات الإنسانية تقوم أساساً على احتياجات الشعوب، ومد يد العون للإنسان في كل مكان، دون ارتباط بالتوجه السياسي، أو العرق أو الدين أو الموقع الجغرافي، وتصف هذا النهج بأنه إرث متأصل بدأه الشيخ زايد، طيب الله ثراه.

لذلك تتجلّى عبقرية الرسالة كلّها في كلمتين: «بقيت تشبهك».

فالأوطان قد تكبر بالمباني، وقد تتقدم بالأرقام، وقد تبلغ الفضاء بالعلم؛ ولكن أعظم ما يمكن أن يقال عن وطنٍ بعد رحيل مؤسّسه، أن ملامح الرجل الذي بناه ما زالت تُرى فيه.

كبرت الإمارات يا زايد...

كبرت في حضورها، وفي علمها، وفي عطائها، وفي مكانتها؛ ولكنها وهي تمضي نحو المستقبل، لم تترك ملامح أبيها خلفها.

كبرت الإمارات... وبقي زايد فيها وطناً لا يغيب.