هناك أشخاص نعبر بهم في الحياة، وهناك من يعبرون بنا إلى الحياة. والمعلم واحد من هؤلاء. قد ننسى بعد سنوات طويلة تفاصيل درس شرحه، أو سؤالاً كتبه على السبورة، أو صفحة طلب منا أن نحفظها، ولكننا لا ننسى كلمة قالها لنا في لحظة احتجنا فيها إلى الثقة، ولا نظرة رأى فيها قدرتنا قبل أن نراها نحن.

ولا يداً دفعتنا بهدوء إلى أن نحاول مرة أخرى، لذا لا يمكن اختصار المعلم في كتاب أو فصل دراسي أو حصة تنتهي بجرس، فدوره الحقيقي يبدأ من عقل يتشكل، وشخصية تنمو، وحلم صغير يحتاج إلى من يؤمن به.

وبينما تتغير المعرفة من حولنا بسرعة غير مسبوقة، حيث يمنح الذكاء الاصطناعي أبناءنا إجابات كان الوصول إليها يحتاج سابقاً إلى ساعات من البحث، يصبح السؤال مختلفاً: ماذا سيبقى للمعلم إذا أصبحت الإجابة متاحة بضغطة زر؟

وأقول إنه سيبقى ليعلم أبناءنا كيف يسألون، وكيف يفكرون، وكيف يميزون بين ما يعرفونه وما يفهمونه. سيبقى دوره في أن يجعل المعرفة وسيلة لا غاية، وأن يزرع في الطالب فضولاً يدفعه إلى البحث، وعقلاً لا يكتفي بالإجابة الجاهزة، وشخصية تعرف كيف تستخدم أدوات العصر من دون أن تفقد قيمها وهويتها، فالآلة تستطيع أن تمنح الطالب معلومة، لكنها لا تستطيع أن تكتشف موهبة يخبئها خلف صمته، أو تمنحه الثقة حين يتعثر.

قد تتغير الأدوات، وتتطور الفصول، وتتبدل طرق التعلم، لكن حاجتنا إلى معلم يعرف الإنسان قبل المنهج ستبقى.

ولعل أجمل ما في رسالة قيادتنا للمعلمين أنها تعيدنا إلى هذه الحقيقة البسيطة: المستقبل يصنعه الإنسان القادر على توظيف التكنولوجيا بوعي، والمعلم هو من يمنحه المعرفة والمهارات التي تؤهله لصناعته.

مسار:

وفي يوم المعلم، نقول: «ما زرعته لم ينتهِ بانتهاء الدرس، فبعض الدروس نحفظها للامتحان، وبعضها نحمله معنا طوال العمر».