اعتدنا حين نتحدث عن الاقتصاد أن نتحدث عن التجارة والسياحة والعقار والصناعة والتكنولوجيا، وحين نتحدث عن الثقافة نذهب إلى الكتب والمتاحف والمسرح والمعارض، لكن دبي غيرت هذه المعادلة، فالثقافة هنا لم تعد قطاعاً يعيش على هامش الاقتصاد، بل أصبحت جزءاً من صناعته.

والفنان لم يعد مجرد صاحب موهبة، بل يمكن أن يكون رائد أعمال، والمعرض ليس مكاناً لتعليق لوحة فحسب، بل حلقة في سلسلة تبدأ بالفكرة، وتمر بالإنتاج والتسويق والاستثمار والملكية الفكرية، وتنتهي بوظائف وأسواق وسياحة وقيمة اقتصادية. وهنا أحب أن أطلق على ما يحدث في دبي اسماً بسيطاً: «الثقافة اللطيفة».

ليس فقط ارتباطاً باسم سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، بل وصفاً لفلسفة مختلفة في التعامل مع الثقافة؛ ثقافة تقترب من الإنسان، وتخرج من المبنى إلى الحي والشارع والمدرسة والمقهى والفضاء العام، وتجمع الفنان والمستثمر والجمهور في منظومة واحدة.

السؤال الثقافي التقليدي كان: ماذا نقدم للجمهور؟

أما السؤال الجديد فهو: كيف نبني مدينة يستطيع فيها المبدع أن يتعلم ويجرّب وينتج ويعرض ويبيع وينمو ويعيش من إبداعه؟

وهذا فارق كبير، فاستراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي استهدفت رفع مساهمة الصناعات الإبداعية في الناتج المحلي، وتحويل دبي إلى عاصمة عالمية للاقتصاد الإبداعي، وقد حققت الصناعات الثقافية والإبداعية قيمة مضافة بلغت نحو 21.96 مليار درهم في عام 2022، بما يعادل 4.6 % من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، ووفرت أكثر من 175 ألف وظيفة.

وفي عام 2024 احتفظت دبي بالمركز الأول عالمياً في جذب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية للعام الثالث على التوالي، مستقطبة 971 مشروعاً.

هذه الأرقام تقول شيئاً مهماً: الفن جميل، لكنه أيضاً اقتصاد، والثقافة هوية، لكنها أيضاً استثمار، والإبداع موهبة، لكنه يستطيع أن يصبح مهنة وشركة وسوقاً.

وهنا تظهر أهمية النهج الذي تقوده سمو الشيخة لطيفة بنت محمد؛ فالثقافة لا تُدار باعتبارها أجندة فعاليات، وإنما باعتبارها منظومة: موهبة، ومكان، وتمويل، وتشريع، وتعليم، وتكنولوجيا، وسوق، وجمهور.

وهذا ما نراه من تطوير القوز الإبداعية، إلى الفنون الرقمية، ومن «سكة» و«آرت دبي» إلى المنصات التي تمنح الفنان ظهوراً وتجربة وعلاقات ومقتنين وأسواقاً وفرصاً.

وحين توفر المدينة للمبدع مكاناً يعمل فيه، وتمويلاً يبدأ به، ومنصة يظهر عليها، وتشريعاً يحمي فكرته، وسوقاً يشتري إبداعه، فإنها لا تكون قد نظمت نشاطاً ثقافياً.

إنها تبني اقتصاداً حول الموهبة، ويكتمل ذلك بالدور التنفيذي الذي تقوده سعادة هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي، في تحويل الرؤية إلى برامج وشراكات وسياسات تمكن المبدع من الاستمرار، لا من الظهور المؤقت فقط.

وإن أكثر ما يعجبني في تجربة دبي أن الثقافة لا تبقى حبيسة المكان الثقافي، فالمدينة الجميلة ليست التي نزورها لكي نرى الفن؛ بل التي نرى الفن ونحن نعيش فيها:

في حي، ومحطة، وجدار، وتصميم مبنى، وموسيقى، وطعام، وحرفة، ومهرجان. هناك بنية تحتية نراها: طرق وجسور ومطارات وأبراج، وهناك بنية تحتية أخرى: الذوق، والهوية، والذاكرة، والقصة.

الأولى تبني المكان، والثانية تصنع معنى المكان.

وهنا يظهر ما أسميه «اقتصاد الجمال»: اقتصاد الفن والتصميم والموسيقى والسينما والعمارة والأزياء، والمحتوى، والحرف، والتراث، وهو اقتصاد لا ينتج المال فقط، بل ينتج شيئاً يصعب شراؤه بالمال:

جاذبية المدينة، فالمدن في المستقبل لن تتنافس فقط على الشركات ورؤوس الأموال، بل على العقول والمبدعين والمواهب والقصص، وهكذا تتحول الثقافة من «قطاع» إلى قوة تنافسية للمدينة، فالمدن العظيمة لا تُبنى بالإسمنت وحده. تُبنى أيضاً بالأغنية، واللوحة، والقصة، والذاكرة.

وعندما تصبح الثقافة اقتصاداً، والإبداع مهنة، والفن استثماراً، والمدينة معرضاً مفتوحاً للحياة، نكون أمام مدينة أدركت أن الجمال نفسه أصل اقتصادي.

وربما لهذا تستحق التجربة اسماً بسيطاً:

«الثقافة اللطيفة»؛ ثقافة لا تعيش على هامش المدينة، بل تجعل المدينة أجمل، واقتصادها أغنى، وإنسانها أقرب إليها.

وهذه هي دبي الأفعال Dubai-it

تقول ما تفعل... وتفعل ما تقول.