تعوَّد العالَم أن يخصّص يوماً في السنة للأمّ، ويوماً للحبّ، ويوماً للمعلم وهكذا، وفي ذلك اليوم يتذكر كلٌّ أمّه، ويحتفل بها بقارورة عطر أو قلم أو وردة أو ما شابه ذلك.

يا تُرى هل ذلك يكفي للتعبير عن أمّنا أو عن أبينا، اللذين كانا سبباً في وجودنا على كوكب الأرض، أو يكفي دليلاً على حبّنا وتقديرنا للمعلّم الذي علّمنا بالقلم، بل علّمنا ما لم نكن نعلم؟

هذا المعلم هو الذي فتّح أعيننا على جمال الحياة، فصرنا نقرأ عن كل شيء، ونكتب كل شيء بأيدينا، ونعبّر ونرسم على صفحات الكون الثناء الحسن لخالق الحب والجمال.

يقول المثل: لولا المربي لَما عرفت ربي، وأنا أقول: لولا المعلّم لكنت بعد قابعاً في ظلام الجهل، أنتظر مَن يرشدني إلى منافذ النور وجمال الحياة، وإلى مسارح الخيال، لألمس ذلك الجمال بعيني وقلبي ووجداني.

هل تسمعون بالخليفة العباسي هارون الرشيد، وهل قرأتم عن الإمام الكسائي إمام اللغة والنحو والقراءة؟ طلبه هارون الرشيد ذات يوم ليعلّم ولديه الأمين والمأمون، وكان الكسائي مهيباً عليه هيبة العلماء وجلال القرّاء.

وذات يوم عندما قام من مجلس الدرس ابتدر الأمين والمأمون إلى نعليه، كلّ يريد أن يكون هو الذي يقدّم له نعليه، ولمّا اختلفا حمل كلّ منهما فردة من نعلي الكسائي فوضعاهما أمامه.

ولما بلغ ذلك إلى سمع الخليفة هارون الرشيد دعا الخليفة الكسائي وقال له: مَن أعزّ الناس أيهما الإمام؟

قال الكسائي: ما علمتُ أعزّ من أمير المؤمنين، فقال هارون الرشيد: أعزّ الناس مَن إذا نهض مِن مجلسه تقاتل على تقديم نعليه وليّا عهد المسلمين.

وعند ذلك ظنّ الكسائي أن ذلك أغضب الخليفة هارون الرشيد، فاعتذر الكسائي للخليفة وقال:

والله ما طلبت منهما ذلك يا خليفة المسلمين، وإنهما فعلا ذلك بمحض إرادتهما، فردّ الخليفة هارون الرشيد: والله لو ما فعلا ذلك أو منعتَهما من ذلك لعاتبتك، إن فِعلهما ذاك رفع مِن قدرهما عندي وعند الناس.

نعم، إنني أستخلص اليوم من هذه القصة أمرين: الأوّل شخصية المعلّم نفسه، والثاني أدب الطالب، والواقع أننا اليوم نفتقد مثل هذا المعلّم الذي يفرض هيبته وجلال علمه وصلاحه، ونفتقد مِثل هذا الطالب الذي يتحلّى بكرم الأخلاق، وحسن التربية في البيت، وفي المدرسة.