وبين أبراج الرياح العربية القديمة وأفق دبي الحديث، أدرك أن التحديث ليس قطيعة مع الماضي، بل استمرار للحضارة وابتكار للمستقبل.
ويشترك الشعبان الصيني والإماراتي في تقدير جذورهما الحضارية، وهو ما يمنح مسيرة التحديث قوة روحية عميقة ودائمة.
ويولي الحزب الشيوعي الصيني أهمية كبيرة لحماية التراث الثقافي، ويعمل على الجمع بين المبادئ الأساسية للماركسية والثقافة الصينية التقليدية، ودفعها نحو التحول الإبداعي والتطور المبتكر، لتظل الحضارة الصينية نابضة بالحياة في العصر الجديد.
في العصور القديمة، كانت الخزفيات الصينية تعبر البحار عبر طريق الحرير البحري، أما اليوم، فأصبحت الخزفيات من أهم رموز الحضارة الصينية، فيما تشهد مدينة جينغدتشن على مسيرة تطور الحضارة الصينية واستمرارها عبر العصور.
ومؤخراً، أُدرجت مواقع صناعة الخزف اليدوي في جينغدتشن بنجاح ضمن قائمة التراث العالمي. ولا يسلّط هذا الإنجاز الضوء على تميّز الثقافة الخزفية الصينية وجاذبيتها فحسب، بل يعكس أيضاً الجهود المستمرة التي تبذلها الصين لحماية تراثها الثقافي والحفاظ على امتداد الحضارة والثقافة.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى متحف زايد الوطني، رأيت قطعة من خزف جينغدتشن تعود إلى عهد أسرة مينغ، وهو ما يذكّر بأن التبادل الحضاري بين الصين والعالم العربي يمتد عبر قرون. فهذه القطعة ليست مجرد أثر ثمين، بل شاهد على التواصل والتبادل والصداقة بين الحضارتين.
وهنا يستطيع الزائر الاقتراب من تاريخ دبي، بينما يتعرف الجيل الجديد إلى جذور وطنه ويعزز هويته الثقافية. ومن الغوص بحثاً عن اللؤلؤ إلى بناء مدينة عالمية، واصل الإماراتيون توارث روح العمل والطموح، وكتبوا جيلاً بعد جيل فصولاً جديدة من قصة وطنهم. إن التاريخ والثقافة يمثلان جوهر هوية أي أمة.
مثلما هو الحال في الصين ودولة الإمارات العربية المتحدة، فإننا، رغم مسيرتنا المتسارعة نحو التنمية والتقدم، نتمسّك على الدوام بقيمنا الأساسية، ونحافظ على روحنا المشتركة التي توحّدنا وتجمعنا. وقد قال الرئيس الصيني شي جين بينغ: «لا يمكن لبلد أو أمة أن يكون بلا روح».
فالتحديث الحقيقي لا يكتفي بابتكار المستقبل، بل يستمد من الحضارة القوة التي تمنحه العمق والاستمرارية. وستظل نار أفران جينغدتشن متقدة، وستواصل أبراج الفهيدي الوقوف شاهدة على حضارة تمتد من الماضي إلى المستقبل.