يعد فن الرواية من الفنون الأدبية التي تستأثر باهتمام شريحة كبيرة من القراء، لأنها ببساطة تتطرق إلى مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعاطفية، وحاجاتهم الفطرية، وتفتح أمامهم نوافذ للاطلاع على ثقافات وحضارات الآخر، ناهيك عن أنها مصدر لنقل تجارب وخبرات الكاتب ومكنونات نفسه، فضلاً على أنها تكتنز عادة بمعلومات معرفية عن الزمان والمكان والشخوص المتباينة، بأساليب سهلة وممتعة ومشوقة.
تاريخياً، شهدت العقود الأولى من القرن العشرين ظهور هذا الجنس الأدبي في العالم العربي، وتسيده أدباء من مصر تحديداً ممن تواصلوا مع أوروبا، مثل رفاعة الطهطاوي وفرح أنطون وحافظ إبراهيم ومصطفى المنفلوطي. ثم جاء جيل الروائيين الثاني، ممثلاً في محمد حسين هيكل (رواية زينب)، ومحمود تيمور (رواية رجب أفندي)، وجرجي زيدان (رواية المملوك الشارد)، وطه حسين (رواية الأيام).
وعباس محمود العقاد (رواية سارة)، وتبعهم أعلام الرواية العرب الكبار، من أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ومحمد عبد الحليم عبد الله وإبراهيم المازني ويحيى حقي، وصولاً إلى عبد الرحمن الشرقاوي وصالح مرسي وجمال الغيطاني وغيرهم.
غير أنه بمضي الزمن وانتشار التعليم ووسائط المعرفة، وصدور المجلات الأدبية المتخصصة في منطقة الخليج، تغير المشهد، وصارت الأخيرة هي مركز الإبداع الروائي في الثقافة العربية، وصار أدباء ومثقفو الخليج يتصدرون قائمة الروائيين العرب، ويحصدون جوائز الرواية العربية.
حيث راحت الرواية الخليجية، لا سيما في العقود الأخيرة، تحتل مكاناً ثابتاً على الخريطة الإبداعية الأدبية في العالم العربي من بعد طول غياب لصالح الشعر، مستلهمة في سردياتها التراث والتحولات الاجتماعية في المنطقة ــ لا سيما الانتقال من اقتصاد البحر إلى اقتصاد النفط، والتحول من قسوة حياة البادية أو بدائية حياة الريف، إلى حياة المدينة وصراعاتها ــ علاوة على تابوهات الجنس والدين والسياسة.
ولعل أكثر المناطق ــ ضمن إقليم الخليج العربي ــ التي تصدر فيها الروايات اليوم، هي السعودية، دون التقليل من شأن إصدارات الروائيين في بقية أقطار الخليج.
إذ سبقت السعودية غيرها من دول الخليج في إصدار الروايات منذ عام 1930، حينما أصدر عبد القدوس الأنصاري رواية «التوأمان»، لتتلوها رواية «فكرة» لأحمد السباعي في عام 1948، قبل أن تنخرط السعوديات من أمثال سميرة خاشقجي (بنت الجزيرة).
وهدى الرشيد وهند باغفار في عالم الرواية، وقبل أن تقطع الرواية السعودية أشواطاً بعيدة في النضج، بدليل حصولها على أكبر الجوائز العربية، مثل الجائزة العالمية للرواية العربية، التي حصلت عليها رجاء العالم عن روايتها «طوق الحمام».
وعبده خال عن روايته «ترمي بشرر»، ثم بدليل منافستها وحضورها في محافل أدبية عربية وعالمية. وتعد الكويت ثاني قطر خليجي تصدر فيه رواية، وذلك حينما أصدر فرحان راشد الفرحان روايته «آلام صديق» عام 1948.
أما دولة الإمارات، فقد تسنمت بناتها الإبداع الروائي منذ صدور رواية «ملائكة وشياطين» لباسمة يونس، ورواية «شجن بنت القدر الحزين» لحصة الكعبي. كما أن سلطنة عمان تزهو بابنتها الروائية جوخة الحارثي، التي تعد أول شخصية عربية تفوز بجائزة مان بوكر الدولية، عن روايتها «سيدات القمر».
وكي نكون منصفين، فإن الكثير من الأعمال الروائية الخليجية التي صدرت في العقود الأخيرة، ليست بالمستوى المتوخى، بسبب تسرب أسماء شبابية إلى عالمها تحت إغراء البحث عن الشهرة والمال.
ما سبق كان توطئة لتوثيق سيرة ومسيرة أديب وروائي وقاص وأكاديمي كويتي بارز، هو الدكتور سليمان الشطي، الذي قدم، خلال مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، العديد من الدراسات النقدية المهمة حول الرواية والقصة القصيرة والشعر القديم والشعر المعاصر والتراث، علاوة على إبداعه في كتابة القصة القصيرة والسيرة الذاتية والمقالة، ناهيك عن أن دراسته وأعماله تميزت بالجدية والأصالة.
وصدرت وفق منهج علمي واضح، وتجنبت إصدار أحكام صارمة وقاطعة، كما هو حال نقاد كثر. والأمر الآخر الذي دفعنا لتسليط الضوء على مسيرته، وتعريف الأجيال الجديدة بإسهاماته الأدبية والنقدية والأكاديمية، هو نشاطه ومشاركاته المؤثرة في الحياة الفكرية والثقافية داخل الكويت وخارجها.
فهو عضو في رابطة الأدباء الكويتيين منذ تأسيسها عام 1965، وكان أميناً عاماً لها عام 1984، وساهم في إصدار مجلتها «البيان»، وتولى رئاسة تحريرها، وكتب فيها وفي غيرها من المطبوعات المحلية والخليجية والعربية، وكان عضواً فعالاً في العديد من المجالس المتخصصة، كالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والمعاهد العلمية كمعهد الفنون المسرحية بدولة الكويت، والجوائز العربية الشهيرة كجائزة البابطين.
قالت عنه زميلته الأديبة والباحثة الكويتية نجمة عبد الله إدريس في حديثها لصحيفة «الراي» (10/2/2016)، إنه «إنسان عرف طريقه جيداً للحياة التي تبتهج بالطيبة.
وتهلل للسماحة في أرقى صورها، وتندفع بقوة الحب والسلام، إلى احتواء الحياة بأكثر قدر من الصدق والإخلاص.. إنه الاسم الذي إنْ لهجت به الألسن، سيكون مرادفاً للطيبة والمحبة والتفاهم والحوار، وتقبل الرأي برأي آخر مساند أو مصحح».
وكتب الدكتور نضال الصالح في صحيفة «الرأي» الأردنية (6/5/2005)، عن تجربة الشطي الإبداعية ومزايا أعماله، فقال ما مفاده إن أبرز ما يميزها هو صلتها الوثيقة بمجتمع القاص على المستوى الحكائي، وصلتها الوثيقة بالجنس القصصي على المستوى الجمالي، أي بوصفها أدباً تنهض به منظومة بنائية دالة على وعي القاص من جهة، وتترك تأثيراً في المتلقي من جهة أخرى.
أما هو، أي الشطي، فقد تحدث في جلسة حوارية برابطة الأدباء في ديسمبر 2025، عن مفهوم الثقافة من وجهة نظره، فقال إن تعريفاتها تعددت، حتى تجاوزت مئتي تعريف، فهناك من يرى أنها مركبة من المعرفة، فكل أنواع المعرفة هي ثقافة، وآخرون يربطونها بالسلوك.
فيما حصرها البعض في الآداب والفلسفة والفنون الجميلة، في حين ذهب البعض إلى تعريف الثقافة بأنها كل شيء، ثم أضاف قائلاً إن الثقافة مرتبطة بالتقدم، وكلما كانت الثقافة مؤثرة تحقق الرقي، واستطرد موضحاً: «الثقافة تدرِّب العقول على الانفتاح، وتنمِّي العواطف، وتطهِّرنا من تطرُّف أفكارنا، ومن تعصُّب عواطفنا».
ولد سليمان علي حسن الشطي في عام 1943 في «الحي القبلي» القديم، المزدحم بالسكان من العاصمة الكويت، وتحديداً في «فريج سعود»، الذي كان يسكنه آنذاك عدد كبير من نواخذة السفن الشراعية ونواخذة الغوص والممتهنين لنقل المياه، بما فيهم عائلته.
حيث كان والد وجده من نواخذة السفر والغوص، ومن مُلاك السفن الشراعية. في هذا الفريج أمضي طفولته، وفتح عينه على مجموعة ملامح محلية وخليجية، أثرت في ذائقته الفنية ونهجه الأدبي.
أول مدرسة التحق بها كانت «المدرسة الأحمدية» الواقعة على ساحل البحر، مقابل فريج سعود، (زمن أن كان مديرها المربي الكبير عبد الملك الصالح)، حيث أمضى بها ثلاث سنوات، انتهت بنقله إلى المدرسة المباركية، لعدم وجود فصل رابع ابتدائي في الأحمدية.
وفي هذا السياق، سجل عنه قوله إن النظام التعليمي في الكويت في الستينيات كان هو الأفضل، بسبب الصرامة والضبط والربط في مسائل الحضور والغياب، وعدم التساهل مع المشاغبين والكسالى، ثم لاشتماله على أنشطة متنوعة، تنمي مواهب الطالب، كالرسم والموسيقى والخطابة والتمثيل والمناظرات والمسابقات.
أمضى صاحبنا عدة سنوات في المباركية، انتهت بنقله مع زملائه إلى مقر الكلية الصناعية، بسبب هدم المباركية والشروع في بنائها من جديد، ثم عاد إلى المباركية الجديدة لمواصلة تعليمه الإعدادي. وفي هذا السياق، أفصح الشطي عن معارضته لفكرة هدم المدارس القديمة، كهدم المباركية الذي رآه خطأ فادحاً.
منذ مرحلة دراسته الابتدائية، وبتشجيع من أحد معلميه، تولع بالقراءة والمطالعة، واستمرت معه هذه الهواية، ونمت في المرحلة المتوسطة، التي بدأ يكتب فيها القصص القصيرة وينشرها.
وفي معهد المعلمين، الذي التحق به بعد اختتامه المرحلة الثانوية بمدرسة كيفان في العام الدراسي 1961/1962، تفتّح ذهنه أكثر على التاريخ الإنساني والعالمي، جراء قراءته لأمهات الكتب، واشتراكه في المسابقات الثقافية، بدليل أنه حصل في هذه المرحلة على أول جائزة في حياته، كانت عبارة عن كتابين، هما: رواية لفيكتور هوغو، وكتاب «لمحات من تاريخ العالم» لجواهر لال نهرو.
وهكذا، لا نبالغ لو قلنا إن صاحبنا سبق زمنه لجهة الثقافة والاطلاع، والانغماس في النشاط الفكري الذي رافقه منذ شبابه، إلى زمن انضمامه إلى هيئة التدريس بجامعة الكويت، في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
يخبرنا الشطي في حوار أجرته معه صحيفة «الأنباء» الكويتية (3/5/2014)، أنه وقت التحاقه بالمرحلة الثانوية، كانت حكومة الكويت تبتعث الطالب إلى سوريا، شرط أن يتخرج معلماً، وأنه أراد أن يكون مدرساً، لكنه تراجع ولم يذهب إلى سوريا، وأكمل دراسته الثانوية، ليلتحق بعدها بمعهد المعلمين في أول سنة من افتتاحه (عام 1964/1965)، ويمضي فيه أربع سنوات حتى تخرجه.
ويتذكر أنه ألقى محاضرة عامة في معهد المعلمين حول الموسيقى الكويتية، والموسيقى بشكل عام (حيث كانت مادة الموسيقى والتذوق الموسيقي مقررة على طلبة المعهد)، الأمر الذي استرعى انتباه الكثيرين، ومنهم الأستاذ حمد الرجيب، علاوة على نشر المحاضرة في الصحف، وهو ما جعله معروفاً.
لم يعمل الشطي بعد تخرجه في معهد المعلمين في التدريس، وإنما التحق مباشرة في عام 1966 بجامعة الكويت، ليتخرج فيها بعد أربع سنوات، حاملاً ليسانس آداب اللغة العربية.
يقول صاحبنا، إنه إبان استعداده لمواصلة دراسته العليا بجامعة الكويت لنيل درجة الماجستير، خطر بباله فن القصة، ووجد أن الرمز في القصة مجال ممتع وخصب للكتابة والبحث، خصوصاً أنه كان يكتب القصة، ولديه علم ومعرفة بالرمز.
وهكذا اختار الجانب الرمزي عند الأديب المصري نجيب محفوظ، كمادة لأطروحته لنيل درجة الماجستير، التي نالها بالفعل عام 1974، رغم اعتراض البعض على الفكرة، من منطلق أن محفوظ على قيد الحياة (وقتذاك)، والدراسات لا تكتب عن الأحياء، لكن المشرف على رسالته أقنعهم بأن الموضوع جديد، والشطي هو أول من كتب فيه.
أما درجة الدكتوراه التي نالها في 1978 من جامعة القاهرة، فقد كانت عن أطروحة حول المعلقات. دعونا نقرأ ما قاله بهذا الخصوص: «بعد حصولي على الماجستير سافرت إلى القاهرة للحصول على الدكتوراه في موضوع (المعلقات)».
مضيفاً: «إنها سبع معلقات، ثم جاء ابن النحاس وأضاف لها قصيدتين، فعرفت بالقصائد التسع، ثم جاء التبريزي وأضاف لها قصيدة عبيد بن الأبرص، فصارت عشر قصائد».
يقول الشطي إن علاقته مع الذين درسوا المعلقات، أنهم قدموا الشروح القديمة، بينما ناقش هو في أطروحته كافة الآراء التي قيلت حول المعلقات، ابتداء من آراء القدماء كابن الأنباري وابن نحاس والزوزني والشنتمري والتبريزي، وانتهاء بآراء جيل المحدثين، كجيل طه حسين وكمال أبوديب ومصطفى ناصف ويوسف اليوسف وإبراهيم عبد الرحمن.
إن بحث الشطي الطويل لإنهاء أطروحته للدكتوراه، قاده إلى الاهتمام بالدراسات النقدية، وحب النقد، فهو القائل: «اهتمامي بالدراسات النقدية جاء من زاوية أن الإنسان عندما يقرأ نصاً، يجب أن يعرف ماذا يقول عنه الآخرون، ووجهة نظرهم، وكل وجهة نظر جديدة تزيدك معرفة.
النقد هو وجهة النظر، وهي تختلف، فهناك وجهة نظر علمية، وأخرى انطباعية، وأخرى تاريخية. هذا الجانب نقلني من الموقف السلبي، وهو القراءة والاستماع، إلى القراءة والعطاء، فأصبحت عندما أقرأ نصاً أحب أن أكتب عنه، خاصة أن الكتابة في النقد الأدبي في الكويت قليلة».
ونختتم بالإشارة إلى أن الشطي تم تكريمه أكثر من مرة، فقد حصل على جائزة الدولة التقديرية من بلده الكويت، وحصل في عام 2003 على جائزة أفضل عمل ثقافي وكتاب عربي في معرض القاهرة للكتاب، عن كتابه «الرمزية في أدب نجيب محفوظ»، وهو واحد من أعماله التي شملت روايتي:
«صمت يتمدد» و«الورد لك والشوك لي» وقصة «الدفة»، وثلاث مجموعات قصصية، هي «الصوت الخافت» و«رجال من الرف العالي» و«أنا الآخر»، علاوة على كتب:
«رسالة إلى من يهمه الأمر» و«القصة القصيرة في الكويت» و«الشعر في الكويت» و«المسرح في الكويت» و«ثلاث قراءات في نقدنا القديم» و«المعلقات وعيون العصور»، و«إضاءة وتنوير». ويخبرنا د. علي أحمد الطراح، أن الشطي وظّف خبراته الأدبية والنقدية المتراكمة في رسم أكثر من مشهد ليومياته أثناء الغزو العراقي للكويت، فحملت شهادته مشاهد ذات دلالات سياسية وعسكرية وإنسانية، عن وقائع وحقائق تلك الأيام العصيبة من تاريخ الكويت.