منذ تعيين محسن رضائي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في أغسطس الماضي، وهو يرفع سقف التهديدات باستخدام القوة ضد كل الدول العربية المجاورة لبلاده.

ومن أبرز وآخر هذه التهديدات، تلويحه بضرب وتعطيل مطارات دول المنطقة «العربية»، في حال منعهم رحلات الطيران الإيراني استجابة للعقوبات الأمريكية، هذه التهديدات وغيرها من التهديدات الإيرانية ضد الدول المجاورة، في حقيقتها تتجاوز الخلاف مع واشنطن، لتطال المرافق والأعيان المدنية والمصالح الاقتصادية والحيوية والبنى التحتية.

إن مثل هذه التصريحات تبين لنا الخلل الذي تعاني منه العقلية السياسية الحاكمة في إيران، هذه التصريحات تحاول أن تخفي المأزق السياسي الذي يعيشه النظام الإيراني، كنتيجة لفشل نظرية رفع تكلفة الحرب، من خلال استهداف دول الخليج العربي، حيث خلقت هذه النظرية حالة من العداء ضد إيران في إقليمها، وأعطت مبرراً ربما لأن يكون العداء ضدها دولياً.

الحديث حالياً متداول بأن الخلاص من النظام الإيراني هو أفضل طريقة لاستقرار وأمن المنطقة، وهذا ما يلمّح به بعض المسؤولين في واشنطن.

ما كان يخشاه النظام الإيراني، ويعمل جاهداً لتجنبه، هو أن تتوحد دول العالم في مواجهته، بسبب تصرفاته وسلوكه العدواني، وربما في الواقع قد بدأت ملامح هذا الاصطفاف تتشكل، بما قد يزيد من عزلته، ويضع بقاءه أمام تحديات أشد في المرحلة المقبلة.

فالإمعان في التهديدات، والتلويح بمعاقبة دول الجوار التي لا تستجيب لإرادته ورغباته، يكشف عن نزعة عدوانية، وقصور في تقدير عواقب ونتائج سلوكه، إذ قد يدفع هذا السلوك الآخرين إلى التكتل والتعاون ضده، بل يعجل ويقرب إليه الخطر الذي سعى طويلاً إلى إبعاده عنه.

إن التهديد الإيراني لدول المنطقة المجاورة له، بسبب قراراتها المبنية على المسؤولية الدولية ومصالحها الوطنية، يجعلنا نطرح سؤالاً مهماً، هو: هل يدرك النظام الإيراني أن من حق الدول اتخاذ قراراتها وفق مصالحها، أم في اعتقاده أنه يجب عليها أن تتحمل كلفة خيارات قراراته غير المسؤولة، بالإضافة إلى اعتقاده بأنه لا بُد عليها أن تتبنى مواقفه، وإلا أصبحت مصالحها ومرافقها مهددة؟.

وبالعودة إلى موضوع الاصطفاف ضد سلوك النظام الإيراني، علينا أن نوضح أن الاصطفاف لا يعني الاتفاق على إسقاط النظام الإيراني، نعم، هناك رغبة واضحة ومعلنة لتغيير سلوكه العدواني الخطير والمضر للمنطقة وشعوبها، بل والمهدد للأمن والسلم الدوليين، وفي المقابل، هناك خشية من نتائج انهياره، وما قد يرافق ذلك من اضطرابات وفوضى في الداخل الإيراني وفي المنطقة.

من المهم أن يعي النظام الإيراني الذي يوسع ويزيد دائرة المتضررين من سياساته وقراراته وأيديولوجيته، ويرفع من كلفة بقائه، وقد يأتي وقت تصبح فيه كلفة احتواء سلوكه، في نظر بعض القوى الدولية، أعلى من كلفة السعي إلى تغييره.

على قادة إيران معرفة أن السلام والاستقرار الدائم في منطقة الخليج العربي، لا يتحقق بالتهديدات والعنتريات والشجاعة الوهمية، مهما بلغت حدة التصريحات، ومهما اعتقدت العقلية الإيرانية المتغطرسة بأن هذا الأسلوب هو الأفضل، فدروس التاريخ بينت خطأ هذا الاعتقاد، بدءاً من النازية، مروراً بنظام صدام حسين، وحالياً الوضع مع إسرائيل وإيران، على حد سواء.

إن كان من نصيحة لأقطاب القيادة الإيرانية، في حال وجود رغبة وحرص على مصلحة بلادهم وشعبهم، التعلم من دروس الماضي والتاريخ، بل من دروس ونتائج سياساتهم منذ سقوط نظام الشاه، وتسلم النظام الحالي للحكم في عام 1979، والأجمل تعلمهم من حكمة جيرانهم القيادات الخليجية، التي حرصت على بناء وتنمية أوطانها، والعمل لصالح شعوبها.

التهديدات والميليشيات والأيديولوجيا المتطرفة، وما رافقها من شعارات وهتافات لم تعد بأي فائدة لا للشعب الإيراني ولا لشعوب المنطقة، ولا حتى للشعوب التي انتشرت فيها الميليشيات الإيرانية المتبنية للأيديولوجيا المصدرة لهم من طهران.

الدول لا تُبنى ولا تُحمى بمثل هذه التصريحات ولا هذه الأفكار، الدول تحتاج إلى قيادات صاحبة رؤية ومشاريع وطنية، تعمل لصالح شعوبها، فالقيادات والأنظمة الأيديولوجية لم تقدم لأوطانها ومنطقتها إلا الدمار والفساد، اقرأوا التاريخ ففيه عِبر.