من الذي كسب ومن الذي خسر في القمة الأمريكية الصينية بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج التي عقدت في واشنطن في سبتمبر الماضي؟
قبل الدخول في التفاصيل يمكن القول بثقة إنه لا فوز ساحقاً قد تحقق لطرف، وإن كل طرف حقق بعض المكاسب، لكن الصين وإلى حد ما حققت بعض المكاسب الاستراتيجية، والسؤال الطبيعي والمنطقي: ما سبب ذلك؟
الإجابة ببساطة لا تكمن في المكاسب التجارية أو الاقتصادية هنا أو هناك، ولكن في المكاسب السياسية والمعنوية، وأهمها على الإطلاق أن الولايات المتحدة ورئيسها ترامب أدركت بوضوح أن الصين شريك أساسي في قيادة العالم، خصوصاً في الاقتصاد، وربما صارت قطباً عالمياً وسط أقطاب ولم تعد هناك دولة واحدة تقود العالم، وبالتالي لم يعد من الممكن تجاهل الصين.
هل يعني ذلك أن كل الخلافات الكبرى بين البلدين قد طويت وانتهت؟!
الإجابة هي لا بالقطع، بل إن ما حدث هو أن ترامب وبعد أن أدرك أهمية الصين قرر أن يعود إلى التصرف الطبيعي، وهو إدارة الخلاف معها سواء عبر التفاوض أم التنافس.
نتذكر أن ترامب وطوال ولايته الأولى كان يهدد الصين بالويل والثبور وعظائم الأمور، وهو ما كرره في الشهور الأولى من ولايته الثانية، ونتذكر أنه رفع الرسوم الجمركية على السلع الصينية بنسب فلكية تجاوزت ٢٠٠ % في بعض تصريحاته المتخبطة والمتناقضة، ثم عاد وتفاوض على اتفاق تجاري مؤقت ومتوازن قبل شهور.
لكن من يرى ترامب وهو يستقبل شي بينج في زيارته الأخيرة سيدرك من خلال مراسم الاستقبال حجم التغير الذي طرأ على طريقة تعامله، فانعكس ذلك ليس فقط على الأسلوب ولكن على الجوهر أيضاً. صار معروفاً أن ترامب تنمّر على العديد من قادة ومسؤولي العالم، لدرجة أنه يتعمد أحياناً عدم مصافحتهم، كما حدث مع بعض الرؤساء الأفارقة، أو إجلاسهم أمامه وكأنهم تلاميذ في فصل دراسي ثم تركهم للحديث هاتفياً مع الرئيس الروسي بوتين، كما حدث مع بعض قادة الاتحاد الأوروبي منذ شهور.
لكن ما حدث خلال كل قممه مع الرئيس الصيني وآخرها قبل أيام كان مختلفاً تماماً: استقبال رسمي في قاعدة اندروز الجوية العسكرية، وهو أمر لم يحدث إلا مرتين طوال ٣٠ سنة حينما استقبل كل من جورج بوش وباراك أوباما بابا الفاتيكان. والعرف السائد أن الرئيس يستقبل ضيوفه في البيت الأبيض. لكن مع شي كان الأمر مختلفاً؛ عرض عسكري وطائرات وجولة بمروحية الرئاسة ومأدبة عشاء وهدايا تذكارية ثم زيارة إلى الأرشيف الوطني.
ومن الواضح أن أمريكا أولاً ثم الصين أدركتا أن التصعيد في الخلاف بينهما سوف يتسبب في خسائر لكليهما، وبالتالي فإدارة الخلافات هو الأسلوب الأفضل لهما.
فيما يتعلق بالنقطة الأبرز في الخلاف والمتعلقة بالتعريفات الجمركية، فقد حصلت كل دولة على تخفيضات جمركية على نحو ٣٠ مليار دولار من سلعها لأسواق الدولة الأخرى.
ظلت مواقف كل طرف ثابتة فيما يتعلق بتايوان. وأخيراً بالنسبة للعلاقة الاستراتيجية فإن الصين تمكنت من تثبيت علاقات أكثر استقراراً دون تقديم تنازلات كبرى.
طبقاً لخبراء صينيين ودوليين فإن بينج ذهب إلى أمريكا وعاد من دون تقديم أي تنازلات في الملفات الحساسة سواء الذكاء الاصطناعي أم المعادن النادرة أم تايوان أم التنافس الاستراتيجي، وبالتالي فإن الحفاظ على هذا الوضع يعتبر انتصاراً واضحاً للصين، في حين أن الولايات المتحدة مثلاً لم تنجح في الحصول من الصين على إجراءات تتعلق باختناقات إمدادات المعادن النادرة وهي ورقة مهمة بقيت في يد الصين.
إذن، القمة كانت ناجحة في ضبط إدارة الخلاف بين البلدين دون حلّه وهو ما كانت تؤكد عليه الصين دائماً.
ولم يحصل ترامب على أي صفقة شاملة كبرى فيما يتعلق بالعجز التجاري أو المعادن النادرة أو تايوان أو حتى وقف دعم الصين لإيران، وكذلك رغبة أمريكا في اتفاق ثلاثي للحد من الأسلحة النووية مع روسيا والصين.
ترامب حصل على بعض المكاسب التجارية المؤقتة وشي حصل على نتائج استراتيجية مهمة؛ أبرزها أن واشنطن بدأت تتعامل مع بلاده باعتبارها قوة اقتصادية عالمية بل ربما الدولة التي توشك أن تنافسها على قيادة العالم.