من كثرة ما نسمع في ملف الذكاء الاصطناعي، ومن هول ما نتابع في تطوراته، فإنه يكاد يوضع إلى جانب المستحيلات الثلاثة: الغول، والعنقاء، والخل الوفي، فالعرب عاشت قديماً تضرب المثل بهذا الثلاثي باعتباره مستحيل الوجود، بدءاً من الغول الذي يقال عنه إنه كائن خرافي، ومروراً بالعنقاء التي توصف بأنها طائر أسطوري، وانتهاءً بالخل الوفي الذي يعني الصديق شديد الإخلاص، والغريب في هذا الثلاثي، الذي تتناقل الأجيال حديثه جيلاً بعد جيل، أن يوضع الخل الوفي هكذا بسهولة مع كائن خرافي، وطائر أسطوري في خانة واحدة، فهل بلغ وجود الأصدقاء المخلصين هذا الحد من الندرة؟

هذا في الحقيقة شيء يجعلك تعيد تعريف الخل الوفي، لأن الواضح من صيغة المثل الثلاثي أن خلاً وفياً ليس من السهل أن يعثر عليه الناس.

ومما نذكره عن سنوات الطفولة أن الغول كان وسيلة تخويف للأطفال، ولا أعرف ما إذا كان ذلك موجوداً في الريف العربي عموماً أم لا؟ ولكن ما أعرفه أن السيدات في ريف مصر كُن إذا أردن تخويف أطفالهن أشرن إلى «أُمنا الغولة»، التي سيجدها الطفل في انتظاره إذا غادر البيت بغير استئذان!

كان هذا يحدث، وكنا نسمعه، ولم يحدث أن رأى طفل منا تلك «الأم الغولة»، بما يعني أن الأمر كان خيالاً في خيال، ولكن هذا كله موضوع آخر كما نرى، ويمكننا أن نسترسل فيه بغير حدود، ولا نريده أن يحرفنا عن موضوعنا الأساسي، الذي هو موضوع الذكاء الاصطناعي، فما الذي -بالضبط- استدعى حديث الثلاثي الخرافي إلى حديث الذكاء الاصطناعي، الذي هو ليس خرافة، وليس خيالاً، وإنما واقع نسمع عنه، ونقرأ التفاصيل في موضوعه، ويدهشنا أن يكون الموضوع فيه قد بلغ هذه الدرجة من «الإثارة» إذا جاز لنا أن نصف تطوراته بهذه الكلمة التي بين الأقواس.

استدعاه ما قرأناه عن الباحث البريطاني، جاكوب كوكسون، الذي استقال من شركة «أنثروبيك»، إحدى الشركات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي ذكر أنه استقال اعتراضاً على أن التطوير الحاصل في المجال يمكن إذا استمر على وتيرته الحالية أن يمثل خطراً وجودياً على كل البشر بنهاية هذا العقد من القرن الحادي والعشرين!

قرأنا هذا على لسان كوكسون المستقيل، ونحن بين مصدق ومكذب لما يقول، وما كدنا ننتهي مما قاله حتى وجدنا أنفسنا أمام كلام على لسان بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، يقول فيه إن خطأ من أي نوع في تطوير الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقضي على مليار من البشر!

هذا كلام قاله بيل غيتس بالصوت والصورة، وهو يشير إلى أن ما قاله موظف «أنثروبيك» لم يكن ينطوي على شيء من المبالغة! وحين يغمض المرء عينيه ثم يتصور ملياراً من البشر يموتون نتيجة خطأ واحد لا غير فالأمر يصل إلى مشارف ما كان ينتابنا من رعب، كلما ذكروا أمامنا «الغول، والعنقاء، والخل الوفي»، فأي وباء مرّ بالعالم على امتداد تاريخه لم يحصد هذا الرقم الذي يتحدث عنه غيتس، ولا نصفه، ولا حتى ربعه، بل ولا حصد واحداً على عشرة من الرقم المذكور!

ومما يضيف إلى الخوف الذي يكتنف الموضوع أن يقول البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، إن المخاوف من الذكاء الاصطناعي يجب أن تؤخذ على محمل الجد! فالبابا رجل مسؤول، وما يخرج عنه منذ تولي موقعه في البابوبة ينطق بأنه منشغل بالإنسان من حيث هو إنسان، ومشغول به طول الوقت، وراغب في أن يقف بمسؤولية في وجه كل ما يمكن أن ينال من إنسانية الآدميين في العموم، غير أن الأخطر هو أن يرفض الرئيس ترامب وضع ضوابط لتطوير الذكاء الاصطناعي، لا لشيء، إلا لأن إدارته في البيت الأبيض تتطلع إلى الموضوع من زاويته السياسية، وترى في الضوابط ترجيحاً لكفة الصين في المجال على كفة الولايات المتحدة، وحين قيل قبل أيام: إن ترمب تراجع عن موقفه، لم يكن تراجعه مما يمكن أن يبعث الطمأنينة في نفوس الناس! فما العمل؟ لا عمل إلا بالبعد عن تسييس الذكاء الاصطناعي، لأنه ملف تكنولوجي مجرد لا يحتمل التسييس.