عندما يهدد الخطر أطفال الأم الحنون، قد تتحول في لحظة من حضن دافئ إلى قوة شرسة تدافع عنهم بلا تردد. ليس لأنها فقدت رحمتها، بل لأن الرحمة نفسها هي التي دفعتها إلى القتال من أجل أغلى ما تملك.
ومن هنا تأتي المفارقة التي أسميها: «وحشية الرحمة».
فالرحمة لا تعني الضعف، والتسامح لا يعني الاستسلام، والحِلم لا يعني العجز. ولعل المثل الشهير «احذر الحليم إذا غضب» يلخص جانباً من هذه الفكرة؛ فالإنسان المسالم قد يتحمل كثيراً، لكنه عندما يشعر بأن بيته وأسرته ووجوده أصبحت في دائرة الخطر، تتغير قواعد التعامل.
والدول لا تختلف كثيراً عن البشر. لقد مرّ الشرق الأوسط بعقود طويلة من الحروب والصراعات والأزمات، ولم تنعم شعوبه بالسلام المستدام الذي تستحقه. وبين حرب وأخرى ظهرت ميليشيات وتنظيمات مسلحة تحولت في أحيان كثيرة إلى أدوات للصراع والنفوذ الإقليمي، وكان المواطن العادي في النهاية هو من يدفع الثمن.
والمشكلة أن الإرهاب لا يولد دائماً من فراغ. فخلف السلاح فكر، وخلف الفكر بيئة، وقد تقف خلف البيئة مصالح وتمويل وتحريض وحسابات سياسية. لذلك لا تكفي بيانات الشجب والإدانة وحدها لمحاربة الإرهاب إذا ظلت الأسباب التي تغذيه قائمة. فمواجهة التطرف تبدأ من الفكر والتعليم والثقافة، لكنها تحتاج كذلك إلى دولة قوية تحمي المجتمع عندما يتحول الفكر المتطرف إلى سلاح يهدد الناس.
وفي المقابل، هناك دول بنت صورتها وهويتها على التسامح والتعايش والانفتاح، فالدولة المتسامحة تستطيع أن تكون قوية.
والدولة التي تبحث عن السلام تستطيع أن تمتلك جيشاً قادراً على الدفاع عنها. والمجتمع المتحضر يستطيع، عندما يُهدد وطنه، أن يتحول إلى جبهة واحدة تدافع عن الأرض والناس والمكتسبات.
بل إن السلام الحقيقي يحتاج إلى القوة التي تحمي استمراره. فلا قيمة لسلام لا يستطيع صاحبه الدفاع عنه، ولهذا فإن القوة والسلام ليسا نقيضين بالضرورة؛ فقد تكون القوة هي الضمانة التي تجعل السلام ممكناً ومستداماً.
وهنا تظهر «وحشية الرحمة» بمعناها المجازي؛ قوة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تتردد في حماية السلام. مخالبها لا تظهر رغبة في العدوان، وإنما عندما تمتد يد نحو بيتها.
فالرحمة تجاه الأبرياء قد تفرض الحزم تجاه من يهددهم، وحماية المجتمع قد تتطلب مواجهة من يريد زعزعة أمنه. وفي هذه اللحظة يصبح الحزم امتداداً للرحمة وليس نقيضاً لها، لأن ترك المعتدي يواصل اعتداءه ليس تسامحاً، وترك المتطرف يهدد الناس ليس سلاماً.
والتاريخ مليء بأخطاء ارتكبها من اعتقدوا أن المجتمعات المسالمة لن تدافع عن نفسها، وأن الدول التي تتحدث بلغة الحوار ستظل تتحدث بها مهما حدث، لكن هناك لحظة يصبح فيها الدفاع واجباً، ليس حباً في الصراع، وإنما حماية للحياة التي صنعها السلام.
فأخطر ما يمكن أن يقع فيه الخصم هو أن يفسر الأخلاق ضعفاً، أو التسامح خوفاً، أو الصبر عجزاً.
هناك فرق هائل بين من يعجز عن الرد، ومن يمتلك القوة ويختار السلام.
الأول لا يملك خياراً، أما الثاني فقد اختار التسامح وهو قادر على غيره.
ولهذا فإن أكثر المجتمعات تمسكاً بالسلام قد تكون أشدها دفاعاً عنه عندما يصبح مهدداً. فالبيت الذي بُني بالمحبة يستحق الحماية، والوطن الذي تأسس على التسامح يستحق الدفاع، والسلام الذي تحقق بعد سنوات من العمل لا يمكن تركه فريسة لمن يعيش على الفوضى.
هذه هي وحشية الرحمة: أن تكون رحيماً لأنك قوي، ومسالماً لأنك واعٍ، ومتسامحاً لأنك واثق، ولكن عندما يصل الخطر إلى بيتك، يعرف الجميع أن للرحمة أيضاً مخالب.