حتى سنوات قليلة مضت، كان إذا ذكر اسم «الأمم المتحدة» سرى شعور بالأهمية والمكانة والسيادة والمنزلة والهيبة. ولم لا؟ وهي المنظمة، لا الدولية، بل الأممية التي تحظى بميثاق وقّعت عليه 193 دولة من دول العالم الـ195.

ما تمر به الأمم المتحدة حالياً غير مسبوق منذ تأسست في عام 1945.

شهدت الكثير من الأزمات والتحديات، لكنها لم تتعرض يوماً لأزمة تهدد وجودها، إن لم يكن فعلياً من حيث مقارها ومبانيها وكياناتها ووكالاتها، فنظرياً من حيث مكانتها وقدرتها على أن تكون الجهة الوحيدة القادرة على «تنظيم العالم»، حتى لو لم يرتدع العالم.

حتى السخرية والتقليل حين كانت تعبر عن قلقها لنشوب صراع هنا أو تفجر حرب هناك، لم ينالا يوماً من مكانتها كمكان يلجأ إليه المتصارعون والمختلفون للاحتكام إلى صوت عقل، حتى لو لم يصغيا له، لكن ظل التعبير عن قلقها وصمة تلاحق الطرفين.

حتى اتهامات التحيز لصالح طرف أو دولة التي كانت توجه لها والتي تعود إلى هيكلة مجلس الأمن ونظام الفيتو وهيمنة الدول الكبرى، لم تقض على دورها، أو تضعها في خانة العجز الكلي.

اليوم، تجد الأمم المتحدة نفسها مقتربة إلى حد كبير من العجز، ونجدها نحن أيضاً كذلك، فهل ينتهي دورها تماماً؟! لا أعتقد. الأمم المتحدة جزء من التاريخ، والتاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، بل يخضع لدورات تتكرر، فيها فترات صعود، وكذلك هبوط، ومنها ما يصل إلى حد الانهيار، ثم يحدث النهوض مجدداً، ولكن على قواعد جديدة.

هذه الدورات لا تستغرق عاماً أو عامين، بل تصل إلى عقود. وما تمر به الأمم المتحدة حالياً من تراجع دور، وعجز عن القيام بدورها من حفاظ على السلم والأمن الدوليين، ولو بكثرة الدق على أوتارهما، وحماية حقوق الإنسان، ولو بتسليط الضوء على ما يجري من خروقات، وتقديم المساعدات الإنسانية، ولو تم التربص بها لن يكتب نهايتها على الأرجح، بل سيكتب لها بداية جديدة، لكن توقيتها في علم الغيب، والتحولات العالمية الكبرى الدائرة حالياً، وما ستؤول إليه أوضاع تحالفات القوة وتوازناتها، وأخيراً وليس آخراً ما ستقرره لنا الثورة التكنولوجية وفي القلب منها الذكاء الاصطناعي، أو بالأحرى ما سيقرره لنا صانعوه ومالكوه.

الأمم المتحدة نفسها تعي أن الذكاء الاصطناعي أصبح اختباراً حاسماً لمدى قدرتها على القيام بأدوارها، والوصول إلى توافق عالمي حول التهديدات الوجودية التي يواجهها الجميع حالياً، سواء بسبب انطلاقه من دون قيود أو قواعد، أم نتيجة المنافسة الشرسة عليه من قبل قوى عظمى، سواء شركات أم دول.

ضعفت المنظمة كثيراً في السنوات الأخيرة، وقويت واستقوت دول عدة في الوقت نفسه، وكلاهما متصل. اهتزت صورتها، واختلت مكانتها بشكل غير مسبوق في العامين الأخيرين.

البعض يقول إن هناك أسباباً عدة تتعلق بهيكلتها، وقواعدها التي كانت في حاجة ماسة إلى تعديل وتحديث لتواكب تغيرات الكوكب، لكن الدور الأمريكي في التحلل من التزاماته المالية، والانسحاب من العديد من وكالاتها وبرامجها، وتوجيه الاتهامات السياسية لأخرى، وتعارض أطر المنظمة الأساسية ومبدأ «أمريكا أولاً» يظل العامل الأقوى.

كل ما سبق يعني أن الأمم المتحدة تأخرت كثيراً في إصلاح وتعديل وتحديث نفسها، ولو كانت استشرفت ولو جزءاً مما يجري في العالم، لاستعدت له.

هذا لا يقلل من أثر عوامل أخرى مثل طغيان منطق القوة في أماكن عدة في العالم، وفي القلب منها تآكل مبدأ الشرعية الذي تحتكن إليه المنظمة الأممية أمام توغل وتغول التدخلات العسكرية والاقتصادية والسياسية من قبل دول كبرى.

ورغم كل ما سبق، إلا أن الأمل منعقد، أو يجب أن ينعقد، على إعادة إحياء، لا دور المنظمة، بل المنظمة برمتها.

ومع قرب انتهاء فترة ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش بنهاية العام الحالي، ربما تلوح فرصة البدايات الجديدة في الأفق. أمين عام جديد، وعتبة جديدة، بإصلاحات جذرية، ورؤى عصرية، وتعامل ذكي وواقعي مع الانقسامات العالمية والجيوسياسية الحادة، وعجز التمويل، والجمود المؤسسي.