ليست الأعمال الإرهابية جريمة تقع على ضحاياها وحدهم؛ إنها عدوان على جوهر القيمة الإنسانية ومحاولة لإخضاع المجتمعات لمنطق الخوف. فعندما تُستباح حياة بريء من أجل بث الرعب في نفوس آخرين، تتجاوز الجريمة حدود زمانها ومكانها، ويتحول الإرهاب من فعل عنيف إلى مشروع يستهدف أمن الإنسان وكرامته وحقه في الحياة والاختلاف والاعتقاد، ويضرب الأسس الأخلاقية التي تتيح للبشر أن يعيشوا معاً رغم تعدد أفكارهم وثقافاتهم ومعتقداتهم.
ومن هنا، فإن خطورة الإرهاب لا تُقاس فقط بحجم الدمار أو عدد الضحايا؛ فالخطر الأعمق يكمن في قدرته على تحويل الألم الفردي إلى خوف جمعي، والخوف الجمعي إلى أداة للتأثير في المجتمع. فالإرهابي لا يستهدف ضحيته باعتبارها النهاية الوحيدة لفعله؛ إذ يسعى من خلالها إلى الوصول إلى مجتمع كامل، وإرباك شعوره بالأمان، والتأثير في قراراته وسلوكه وإدراكه للمستقبل. ولهذا يمكن قراءة الإرهاب باعتباره عنفاً مادياً يستهدف الحياة، وعنفاً نفسياً يستهدف الطمأنينة، وعنفاً رمزياً يستهدف الوعي، وعنفاً اتصالياً يسعى إلى مضاعفة أثر الجريمة عبر انتشار صورتها ورسالتها.
بهذا الفهم، يصبح الإرهاب عدواً للإنسانية قبل أن يكون تهديداً لدولة أو مجتمع أو ثقافة بعينها؛ لأنه يقوم على نقيض القيم التي تحفظ الاجتماع الإنساني. فهو يستبدل الحوار بالإكراه، والتنوع بالإقصاء، والحجة بالعنف، والمواطنة بالولاءات المتطرفة، ويمنح الأيديولوجيا المنحرفة سلطة متوهمة على حياة الآخرين وحقوقهم. ومن هنا أيضاً، لا دين للإرهاب ولا وطن له؛ فكل محاولة لمنح استباحة الأبرياء تسويغاً دينياً أو غطاءً أيديولوجياً ليست سوى توظيف منحرف للدين أو الهوية لإضفاء مشروعية زائفة على فعل يناقض كرامة الإنسان ومقاصد الاستقرار والتعايش.
وتبقى المواجهة قاصرة متى بدأت عند لحظة وقوع الجريمة. فالفعل الإرهابي الذي يظهر في المشهد الأمني كان، في مراحل سابقة، فكرة تبحث عن قابلية للاستقبال، وسردية تبحث عن عقل قابل للاختراق، وخطاباً يبحث عن بيئة تسمح له بالنمو. ومن ثم تنتقل الاستراتيجية الفاعلة من ملاحقة النتيجة إلى تفكيك المسار الذي أنتجها؛ فتواجه التطرف قبل انتقاله إلى السلوك، وتحاصر خطاب الكراهية قبل تحوله إلى مبرر للعنف، وتبني لدى الإنسان مناعة معرفية تجعله أكثر قدرة على كشف المغالطات وتفكيك السرديات المتطرفة.
وهنا يتقدم الأمن الفكري ركناً أصيلاً في منظومة الأمن الوطني الشامل. فحصانة المجتمع لا تعني عزله عن الأفكار المتطرفة، فهذا لم يعد ممكناً في عالم مفتوح؛ إنها قدرته على مواجهتها معرفياً ونقدياً وإبطال قدرتها على الاستقطاب. وتبدأ هذه الحصانة من الأسرة، وتتعمق في المدرسة والجامعة، ويعززها الخطاب الديني الرشيد، والإعلام المسؤول، ومراكز الفكر والبحث العلمي، ضمن بيئة وطنية تجعل المواطنة والانتماء والمسؤولية قيماً حية في السلوك اليومي.
وتزداد هذه المسؤولية إلحاحاً في العصر الرقمي؛ فالتطرف المعاصر لم يعد مشروطاً بتنظيم هرمي أو اتصال مباشر. لقد أصبحت المنصات الرقمية والتقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي جزءاً من بيئة معلوماتية تستطيع التنظيمات والجماعات المتطرفة استغلالها لإعادة إنتاج سردياتها وتوسيع نطاق تأثيرها. ومن هنا ينبغي أن ينتقل التحصين من مراقبة المحتوى إلى بناء العقل القادر على تفكيكه وفحصه؛ عقل لا يكتفي بالسؤال: ماذا أشاهد؟ ويتقدم إلى أسئلة أكثر وعياً: من أنتج هذه الرسالة؟ ولماذا؟ وما الأدلة التي تستند إليها؟ وأي سلوك تحاول أن تدفعني إليه؟
وفي هذا الإطار تتجلى أهمية النهج الإماراتي الذي ينظر إلى مكافحة التطرف والإرهاب ضمن مقاربة متكاملة تجمع بين سيادة القانون، والأمن، والوقاية الفكرية، والتسامح والتعايش، والخطاب الديني الرشيد، والشراكات الدولية. وهذه الرؤية تدرك أن حماية الدولة الوطنية تتجاوز صيانة حدودها ومؤسساتها إلى صيانة وعي مجتمعها؛ فالمواطن الواعي، المعتز بهويته والمنفتح على العالم، يمثل إحدى أكثر ركائز الحصانة الوطنية استدامة.
وفي امتداد لذلك، فإن مواجهة الإرهاب مسؤولية تتجاوز المؤسسة الأمنية إلى منظومة المجتمع بأكمله. الأسرة تحمي المرجعية الأولى للناشئة، والمعلم يبني أدوات التفكير، والإعلام يصون المجال المعرفي من التضليل، والمؤسسات الدينية تعزز الفهم الرشيد، والباحث يفكك الظاهرة علمياً، فيما توفر الدولة منظومة القانون والسياسات والشراكات التي تحمي المجتمع. وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتحول مكافحة الإرهاب من استجابة للخطر إلى ثقافة وقاية واستباق.
إن المعركة الأعمق مع الإرهاب ليست معركة على الأرض وحدها؛ إنها معركة على كرامة الإنسان، وحرمة الحياة، وسيادة العقل، واستقرار الدولة الوطنية. والانتصار المستدام لا يُقاس حصراً بعدد المخططات التي أُحبطت، على أهمية ذلك؛ فمقياسه الأبعد أثراً يمتد إلى العقول التي عجز التطرف عن استقطابها، والأجيال التي امتلكت أدوات التفكير النقدي، والمجتمعات التي أخفقت الكراهية في تفكيك تماسكها.
فالإرهاب يبدأ حين تسقط حرمة الإنسان من وعي المتطرف، ومواجهته الحقيقية تبدأ حين تصبح كرامة الإنسان، وحماية الحياة، وصون الوطن، واحترام الاختلاف منظومةً راسخة تستعصي على الاختراق الأيديولوجي. وحين نحصّن الإنسان، فإننا نصون المجتمع، ونقوّي الدولة، ونحمي حق الأجيال القادمة في مستقبل أكثر إشرافاً.
وستبقى الإمارات، بقيادتها الحكيمة وقيمها الراسخة ووعي مجتمعها، منارة للتسامح والتعايش، وحصناً في وجه التطرف والإرهاب، وقوة تصنع الأثر الإيجابي في المنطقة والعالم؛ تحمي الإنسان، وتحصّن المجتمع، وتصون الوطن، وتمضي بثقة في صناعة مستقبل أكثر أمناً وسلاماً وازدهاراً للإنسانية.