كثيرة هي القضايا والتحديات التي يواجهها المجتمع الدولي، ذات الصلة باستقرار العالم وأمنه حالياً وفي الأفق المستقبلي، لكن هناك قضية أساسية في النظام الدولي التي يمكن أن تكون العقدة الناظمة لسير العمل الدولي وغيره وهو القانون الدولي فالحاجة إليه ماسة. الإمارات عوّدتنا دائماً أن تعطينا من أجنداتها في الاجتماعات الدولية الكبرى اتجاهات دوائر صناعة القرار في العالم، فقد كان احترام مبادئ القانون الدولي واحدة من الأجندات التي حملها الوفد الإماراتي إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورته الـ81 المنعقدة حالياً ضمن العديد من الموضوعات والقضايا التي تمس الاستقرار والأمن الدوليين.

تطرقي إلى القانون الدولي باعتباره واحداً من أولويات الأجندة الإماراتية إلى الجمعية العامة لا يعني بتاتاً تجاهل أو تراجع مكانة الأولويات الأخرى، وإنما أهمية وجود مرجعية قانونية مدعومة بقوة أعضائها للحفاظ على السلام والاستقرار في العالم لأطول فترة ممكنة، والذي يتحقق بجانب القانون بالحوار والتفاوض.

توافق قلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مع المنظور الذي حمله الوفد الدبلوماسي الإماراتي إلى أكبر منصة عالمية للممارسة الدبلوماسية من المساس بالقانون الدولي، حيث جاء في الكلمة الافتتاحية للسيد غوتيريش: إن السلام لا يعني مجرد غياب الصراع، وإنما يعني إخضاع القوة للقانون؛ بمعنى تجيير القانون لخدمة القوة والتسلط، وهذا من شأنه أن يحوّل الحياة إلى ما يطلق عليه في قانون الغابة «البقاء للأقوى».

أبرز صورتين في وقتنا الحاضر تعطينا إشارة إلى تجاهل القانون الدولي على المستوى الإقليمي في منطقتنا، ولكن لها علاقة بالاستقرار والأمن الدوليين يتمثل في ما يحدث في عموم فلسطين وفي قطاع غزة على وجه التحديد من قبل حكومة بنيامين نتانياهو دون رادع، ولذا شملت أغلب الكلمات التي ألقيت في الجمعية العامة هذا السلوك الخارج عن القانون الدولي وتأثيره في استقرار العالم.

الصورة الثانية لخرق القانون الدولي هو ما يمارسه النظام الإيراني من الاستيلاء على واحد من أهم الممرات الدولية في العالم، وتلعب دوراً في الأمن الطاقوي والغذائي، ويهدد كل من يحاول مواجهة بلطجته واختطافه للمضيق، ويمتد هذا الخرق للقانون الدولي إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر عموماً.

عرض الإمارات لأهمية احترام مبادئ القانون الدولي أمام دبلوماسيي العالم إنما هو من المكاشفة الصريحة وربما الموجعة لمن اعتاد على هذه الممارسة لأنه بذلك يضع الجميع أمام مسؤولية التداعيات المحتملة لما يحدث.

وربما الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن المكاشفة هو استذكار دروس التاريخ التي فرضت على مفكري وسياسيي العالم قبل ثمانية عقود تأسيس منظمة الأمم المتحدة وتحميلها مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين.

الصمت الدولي أو تخلي الدول الكبرى عن مسؤوليتها في فرض القانون الدولي على الدول الخارجة عنه أو تسييس القانون ليس مقبولاً، كما أن تبادل الاتهامات بين حكومات دول وتناسي المآسي الإنسانية التي تحدث جرّاء هذا هو كمن يرتكب الجرم مرتين بدون خجل أو تأنيب الضمير، بل يقدم تبريراً على ما يفعله غير مدرك أو متجاهل العواقب التي قد تؤدي إليها على الاستقرار الدولي.

علينا أن ندرك أمرين اثنين ونحن نناقش هذا الموضوع يشغلان الفكر السياسي الإماراتي هما؛ الأمر الأول: أن استباقية تحرك الدبلوماسية الإماراتية لطرح هذا الموضوع هي قراءة موضوعية لأمر بدأ يتحول إلى ظاهرة دولية سواءً من قبل بعض الحكومات أو الميليشيات التي تعمل بسلطة دولة.

الأمر الثاني: أن هناك تحديثاً في طبيعة التحديات العالمية التي تضغط على الأمم المتحدة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى مشاركة الدول المجتمعة في مقر الأمم المتحدة للتركيز عليها لأنها أكثر خطراً على الاستقرار مثل: الكراهية، والتغيير المناخي والتطرف.

الإحساس الإماراتي بمسؤوليتها تجاه الحفاظ على الاستقرار والأمن الدوليين ومساعيها الكبيرة للمساعدة فكرياً ومادياً للتخفيف على الإنسان في العالم بتوفير حقه في العيش بكرامة وفق القانون الدولي الإنساني هو ما يجعل هذه الدولة محل ثقة المجتمع الدولي والعالم.