حيث وضع أمامهم خارطة طريق في غاية الذكاء والخبرة والنظرة المقارنة بين الزمن والإنسان، فلكل عصر روحه الخاصة، ولكل مرحلة دولة ورجال، ولكل مرحلة معطياتها واستحقاقاتها، وبروح القائد الوالد والمفكر العميق، ينثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كنانة فكره، ويكتب هذه الرسالة البديعة، التي تشتمل على أعمق الأفكار وأصدقها، وأكثرها قدرة على النفع والتأثير.
مؤكداً على أن لكل عصر روحه الخاصة، وأن لكل جيل رسالته الخاصة، وأن لكل زمانٍ رجاله القائمين بواجبهم في صناعة الحياة والإنسان، لتندفع الرسالة بعد ذلك في رسم لوحة بديعة، تقوم على المقارنة بين الماضي والحاضر.
وما كان يبذله الإنسان في الماضي ضمن إمكاناته، وما يمكن أن يقدمه الشباب المعاصر ضمن إمكانات العصر المختلفة في طبيعتها وجوهرها وفاعليّتها عن معطيات الماضي، ما يعكس متابعة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لإيقاع العصر وثقافته ومعطياته، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد بقوله: «عالمكم ليس كعالمنا، ومعارفكم ليست كمعارفنا، وأدواتكم ليست كأدواتنا، ونتوقّع أن تكون منجزاتكم وأعمالكم أعظم وأكبر من أعمالنا ومنجزاتنا».
وهذا التوقع ليس ناشئاً من فراغ، بل هو ثمرة نظرٍ عميقٍ بين طبيعة معطيات كل مرحلة، وهو ما وضحه سموه حين ذكر أن الجيل السابق قد نشأ في عالم محدود الجغرافيا والثقافة والمعارف، في حين أنّ الجيل الجديد قد نشأ في عالم هائلٍ متداخل.
حيث لا سقف للعلم، ولا شاطئ للمعرفة، وحيث تختفي الحدود والخصوصية الثقافية والاقتصادية بين الأمم والشعوب، لأنّنا نعيش في عالمٍ مترابطٍ متشابكٍ، يسكنه مليارات البشر، وتحكمه التقنية والذكاء والخوارزمية الحديثة.
فمواردُكُم مفتوحة، ومعلوماتُكم محيطٌ من المعرفة، وأدواتُكم هي الآلة الّتي تُفكّر وتُقدّر وتكتُب وتُخطِّط وتُنفِّذ، وفريقُ عملكم مواهب تتصلون بهم ضمن شبكةٍ تضُمُّ مليارات البشر، يستطيع الشابّ منكم اليوم أن يتابع مؤتمراً في أمريكا، وأن يعمل مع فريقٍ في آسيا، وأن يتعلّمَ مهارة جديدة من خبيرٍ في أوروبا، ضمن عالمٍ عظيمٍ متشابكٍ».
وتنويهاً بالجيل الجديد، يُدافعُ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن المواهب الشابّة، ويدفَعُ عنها تهمة الكسل والملل، ويرى فيها طلائع تتقدّم بكلّ ثقةٍ وكفاءةٍ نحو صناعة الحياة الحديثة، ضمن إمكاناتٍ جديدة، وروحٍ حديثة، وقناعات مختلفة، تصلح لقيادة العالم الجديد.
ويلقي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ضوءاً كاشفاً على مجموعة من الفروق الجوهريّة بين أنماط الحياة القديمة، وما يُقابلُها في المجتمع الحديث، فإذا كان التعليمُ القديم يقوم على التلقين والحفظ والتكرار، فإنّه يقومُ الآن ومستقبلاً على السؤال والإبداع والابتكار، وإذا كان يتمُّ توظيف فِرَق العمل لإنجاز المهامّ، فإنّ العالم الحديث يُمكنُ للفرد الواحد فيه أن يوظّف ألف خوارزميّة ذكيّة تُساعده في إنجاز مهامّه بكلّ كفاءة وذكاء ومهنيّة عالية.
وهذا الفارقُ يمنحُ سموه شعوراً عميقاً بالتفاؤل، لأنّ العقل اليوم أوسع وأوعى وأعمق، ولأنّ القُدراتِ الفرديّة اليوم أكبر وأسرع تأثيراً، فهذه الأدوات قد خُلقت لعالم مختلف، وستؤدّي فيه دوراً كبيراً، يختلفُ في شكله ومضمونه عن العالم القديم وأدواته.
«أبنائي وأحفادي: الحكمة ليست أن تعيشوا بعقول آبائكم، الحكمة الحقيقيّة أن تعيشوا بقِيَمِهم وأخلاقهم ومبادئهم، لأنّ القِيَم لا تتغيّر مع الزمن، والأخلاق لا تزيدها العصور إلا أصالة، والمبادئ هي الّتي تجعلُ الإنسانَ إنساناً، الصدق نحتاجُ إليه في كلّ زمانٍ ومكان، الأمانة موجودة منذ خُلقت الأرض والجبال، والوفاءُ بالوعد والعهد، والعدلُ مع الناس والتواضع والرحمة واحترامُ الإنسان، كلُّها قِيَمٌ عظيمة، لا تستقيمُ الحياةُ إلا بها، ولا يتحقَّقُ التوازن في هذا الكون إلا من خلالها».