في أكتوبر 1962 أوصلت أزمة الصواريخ الكوبية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى حافة مواجهة نووية، وكشفت أن سرعة السلاح سبقت سرعة الدبلوماسية. بعد ثمانية أشهر، وقعت واشنطن وموسكو في جنيف اتفاق إنشاء قناة اتصال مباشرة.

الذاكرة الشعبية والسينما حولتاها لاحقاً إلى «الهاتف الأحمر» الشهير، فيما كان الواقع أكثر بساطة، منظومة مكتوبة تعتمد أجهزة تيليبرنتر وخطاً سلكياً ومساراً لاسلكياً احتياطياً.

بقيت الفكرة أهم من الجهاز نفسه، فالخصومة بين قوتين تحتاج إلى قناة تعمل عندما تضيق مساحة القرار ويصبح سوء التقدير خطراً على الجميع.

بعد ستة عقود تعود الفكرة بتكنولوجيا مختلفة. خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن هذا الأسبوع، اتفقت الولايات المتحدة والصين على إنشاء حوار حول مخاطر الذكاء الاصطناعي وفوائده، وقناة ثنائية للحوادث المرتبطة به، مع جولة جديدة في نوفمبر.

وجاءت القناة ضمن محاولة أوسع لإعادة ضبط العلاقة، فقد خففت القمة جانباً من حدة الخلاف التجاري عبر ترتيب لخفض الرسوم بصورة متبادلة على سلع بقيمة ثلاثين مليار دولار، واتفق الجيشان على تسريع مذكرة للتواصل وإدارة الأزمات.

التجارة والأمن والذكاء الاصطناعي تحركت ضمن منطق واحد، فالقوتان تستعدان لمنافسة طويلة وتبنيان في الوقت ذاته آليات تبقي أكثر نقاط التوتر تحت السيطرة.

منذ 2022 تستخدم واشنطن قيود التصدير لتضييق وصول الصين إلى أكثر تقنيات الحوسبة تقدماً، فيما واصلت بكين بناء بدائلها.

هذا الأسبوع أعلنت «علي بابا» جيلاً جديداً من تقنياتها للذكاء الاصطناعي، مع معالج صيني ونموذج أكثر تطوراً وتوسع كبير في مراكز البيانات، و«هواوي» أصبحت في قلب الجهد الصيني لبناء منظومة محلية حتى تجاوز الطلب الداخلي على معداتها قدرتها الحالية على الإنتاج.

وفي الأسواق العالمية اتسع حضور نماذج صينية مثل «ديب سيك» و«كيوين»، وتقلصت المسافة بين أبرز الأنظمة الأمريكية والصينية، فيما تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق مهم في التقنيات الأكثر تقدماً، وتحاول الصين تحويل القيود المفروضة عليها إلى دافع لبناء منظومة أكثر استقلالاً.

واشنطن تريد الحفاظ على أفضليتها، وبكين تريد تقليص المسافة، وكل طرف يحتاج في الوقت ذاته إلى رؤية أوضح للطريقة التي يتحرك بها الآخر والحدود التي يعتبرها حساسة.

قناة الحوادث تمنحهما مساحة لفهم ما يمكن أن ينتقل من تطور تقني إلى تهديد أمني، وما الذي يستدعي اتصالاً مباشراً قبل اتخاذ قرار أكبر. السباق على القدرة يستمر، وبالتوازي تتشكل قواعد لإدارة سلوك المنافس وتقليل عنصر المفاجأة في أكثر الاستخدامات حساسية.

حتى النقاش الداخلي في واشنطن أصبح يربط حجم القيود المفروضة على تطوير الذكاء الاصطناعي بالحفاظ على الأفضلية الأمريكية أمام الصين.

تعريف الحادث الذي يستوجب استخدام القناة، وإجراءات الإنذار، والجهة المسؤولة عن تشغيلها، بقيت جميعها خارج التفاصيل المنشورة حتى الآن. القناة القديمة بدأت بآلية واضحة للتشغيل، أما القناة الجديدة فما زالت إطاراً سياسياً ينتظر التفاصيل.

وهذا يعكس صعوبة الاتفاق بين واشنطن وبكين، فكل طرف يريد وسيلة تمنع سوء التقدير، من دون أن يفرض على نفسه قيوداً قد تبطئ تقدمه في سباق الذكاء الاصطناعي. لذلك سيكون الاتفاق على حدود الخطر أصعب من الاتفاق على إنشاء القناة نفسها.

وتتسع المنافسة إلى القواعد التي سيتحرك داخلها الذكاء الاصطناعي عالمياً. الصين أسست في يوليو مع ثماني وعشرين دولة أخرى «المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي» ومقرها شنغهاي، لتدخل بصورة مؤسسية في صياغة حوكمة التكنولوجيا، والولايات المتحدة تستخدم تفوقها في التقنيات المتقدمة وضوابط التصدير وشبكة شراكاتها للتأثير في شروط الوصول إليها.

السباق يمتد اليوم من تطوير النماذج والمعالجات إلى المعايير والأسواق وسلاسل الإمداد وحدود الاستخدام، ومن يملك دوراً أكبر في كتابة هذه القواعد يملك مساحة أكبر في تشكيل اتجاه التكنولوجيا نفسها.

اتفقت واشنطن وبكين على إنشاء قناة للاتصال، وسيبدأ اختبارها الحقيقي حين توضع حدود واضحة لما يستوجب استخدامها.

عندها ستُقاس قيمتها بقدرة القوتين على الاتفاق على معنى الخطر، فيما يستمر سباقهما على تطوير القدرات التي تجعل تعريف هذا الخطر أكثر صعوبة.