سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله.. قرأت رسائلكم التي جمعتموها في كتاب الرسائل، ووجهتموها إلى إخوانكم، وأبنائكم، وفريق عملكم، وأبناء وطنكم.. قرأتها بقلب مواطن وجد فيها صفحات من سيرة وطن، وخلاصة تجربة قائد عاش بين مسؤولية الحكم ودفء الأسرة، وبين صرامة القرار ورقة الوفاء.
الرسالة في كتابكم، ليست مجرد كلمات تُكتب إلى شخص ثم تنتهي عنده، وإنما ذاكرة تترك للأجيال، وشهادة إنسانية على زمن عاشته دبي والإمارات، بما فيه من تحديات وطموحات وتحولات، ولهذا شعرت وأنا أقرأها أنني لا أقرأ رسائل إلى الآخرين فقط، وإنما أقرأ شيئاً من حياتنا وذاكرتنا.
حين كتبتم إلى أخيكم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خاطبتم أخاً، ورفيق مسيرة، وشريكاً في حمل الأمانة..
وفي هذه الأخوة نرى امتداداً للثقة التي جمعت الراحلين الشيخ زايد والشيخ راشد، طيب الله ثراهما.. وما يُطمئن أبناء الإمارات أن وطنهم يقوده رجلان جمعهما عهد واحد، ورؤية واحدة لمستقبله، وإيمان بأن الاتحاد ليس مجرد تجربة سياسية، وإنما علاقة أخوة ومسؤولية مشتركة.
وحين كتبتم إلى أبنائكم، شعر كل ابن من أبناء الإمارات أن رسالتكم تعنيه.. فقد أكدتم أن المجد لا يُورث من غير عمل، وأن الاسم الكبير يحمل صاحبه مسؤولية أكبر.. إنها وصية أب يريد لأبنائه أن يكونوا قريبين من الناس، أوفياء لوطنهم، أمناء على إرثهم، مدركين أن المحافظة على المنجز تحتاج إلى إخلاص يتجدد كل يوم.
أما رسالتكم إلى سمو الشيخة هند بنت مكتوم، فقد كشفت وفاء الإنسان لرفيقة دربه، وتقديره للأم التي حفظت البيت وربت الأبناء..
وحين وصفتموها بأنها القوة الهادئة التي واجهتم بها العالم، لم تكرموا امرأة بعينها فقط، وإنما أنصفتم قيمة المرأة التي تعمل في صمت، وتمنح أسرتها من عمرها واهتمامها، وتسهم من داخل البيت في بناء مجتمع كامل.
وفي رسالتكم إلى فريق عملكم، وجدنا فلسفة قيادة جعلت خدمة الناس مقياساً لكل إنجاز.. فالمنصب مسؤولية، والخطط تكتسب قيمتها حين يلمس الناس أثرها، والنجاح لا يمنح صاحبه حق التوقف، وإنما يدعوه إلى عمل جديد وطموح أكبر.. ولعل هذه الفكرة هي التي جعلت دبي تنتقل من إنجاز إلى إنجاز، من دون أن تفقد إحساسها الدائم بأن الطريق ما زال مفتوحاً أمام المزيد.
ثم جاءت رسالتكم إلى شباب وشابات دبي عن «سنوات البطاقة» لتفتح أمام الجيل الجديد صفحة قد لا يعرفها كثيرون.. حكيتم لهم كيف انكسر اقتصاد دبي بانهيار تجارة اللؤلؤ، ثم قطعت الحرب العالمية الإمدادات وخطوط التجارة.. عرف أهل المدينة الفقر والجوع والمرض، وكانت الأسر تتلقى بطاقات لحصص غذائية محدودة، بتوجيهات الشيخ سعيد وتوزيع الشيخ راشد، رحمهما الله.
تبدو المسافة بعيدة بين تلك البطاقات ودبي التي نراها اليوم بمطاراتها وموانئها وأبراجها ومشروعاتها العالمية..
لكنها كما ذكّرتم أبناءها، مسافة قطعها رجال ونساء رفضوا أن يكونوا أسرى لظروفهم.. رأى الشيخ راشد وأهل دبي ما يفعله الاعتماد على مورد واحد حين ينهار، ففتحوا للمدينة أبواباً جديدة للعمل والتجارة، وصنعوا لها مستقبلاً أوسع من الأزمة.
ولعل أبلغ ما في رسالتكم تحذيركم من النسيان؛ لأن النسيان بداية الغرور، والغرور بداية التراجع.. إنها عبارة ينبغي أن ترافق كل من ينظر إلى دبي اليوم فيرى ازدهارها، ولا يرى ما سبقها من مشقة.. فمن يعرف سنوات البطاقة يدرك أن الرفاه ثمرة إرادة وعمل، وأن صونه يتطلب من الجيل الحاضر يقظة لا تقل عن شجاعة من سبقوه.
في رسائلكم إلى أبناء الوطن، يتسع هذا المعنى ليشملنا جميعاً.. فالإمارات التي بناها الآباء المؤسسون أمانة في أعناقنا، وحماية منجزاتها مسؤولية كل من يحمل اسمها.. والوطن الذي أعطانا الكثير ينتظر منا أن نضيف إلى قصته فصلاً يستحق أن يقرأه أبناؤنا باعتزاز.
سيدي صاحب السمو..
شكراً لكم لأنكم كتبتم إلى أهلكم وفريقكم وشعبكم، فخاطبتم قلوبنا جميعاً.. ذكّرتمونا بأن الاتحاد أخوّة، وأن الأسرة سند، وأن العمل أمانة، وأن معرفة البدايات تحمينا من الغرور، وتعيننا على مواصلة الطريق.. حفظكم الله، وأطال في عمركم، وأدامكم قائداً يصنع المنجزات، وإنساناً يحفظ الود، وأباً يعلم أبناءه كيف يواجهون التحديات، كي يعرفوا كيف يصنعون سنوات وطنهم المقبلة.